فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





سيد رضا الطبطبائي - 01/05/2015م - 1:47 م | عدد القراء: 543


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

..كل ذلك يحدث قبل مغيب الشمس، بوقت ليس بالطويل وقبل وصولنا إلى الهدف بقليل، وقع نظرنا على الشاحنة التي تقل الحجيات والأغراض وهي تتوجه إلى مقر الحملة في منى، قمنا بتغيير مسارها ونصبنا أنفسنا شرطة مرور، وخلال هذه الفوضى تمكنا من إيقاف حركة المرور في بعض الاتجاهات على طرق المزدلفة، وتم توكيل بعض الأخوة للذهاب إلى المسلخ للذبح عنا، هنا اكتشفنا أن أحد الأخوة من المجموعة لم يكن معنا، مع أنه غادر منى معنا، الكل بدأ يسأل ويتساءل..  

أين هو؟ ما هو مصيره؟! أفكار تتلاحق بسرعة البرق على أذهاننا مصحوبة بالخوف والحزن بشأنه، لم نكن نستطيع أن نتمالك أحاسيسنا ومشاعرنا تجاه هذا المفقود الذي لم نجد له أثراً، ولكن توكلنا على الباري عز وجل وتركنا الأمر له وحده، وخاصة أن الفوضى والارتباك يسيطران على الموقف، والمشهد محزن، والصورة قاتمة، والمأساة كبيرة، والتوتر يعم الجميع، وصلنا إلى المخيم بنا، لنسأل عن صاحبنا المفقود فلم نجد له أثراً، ولكن بعد وقت ليس بقصير فاجئنا بوجوده داخل المخيم، وقال أنا موجود هنا معكم، طبعاً فرح الجميع وكانت الفرحة مضاعفة عندما رأيناه بصحته الكاملة وعافيته التامة بحمد الله تعالى..

سألناه.. ماذا حدث لك؟ وأين ذهبت يا حاج بدر أسد، أجاب: "عندما كنا نجتاز مقر البعثة الطبية الكويتية، والكل يركض ويحاول النجاة بجلده، دخلت إحدى الخيم الخاصة بالبعثة فرأيت "السفرة ممدوة، والأكل جاهز وحار ولا يوجد أي زبون، فآثرت الأكل على الفرار، وملئت معدتي من ذلك، ثم شربت بعد ذلك كأساً من اللبن ثم استلقيت على السرير الذي كان معداً للنوم وأخذت قسطاً من الراحة ثم رجعت إلى مخيمنا هذا" موقف مفرح في وسط أجواء مؤلمة يلفها الحزن مما حدث لمن التهمت النيران مخيماتهم. طبعاً لم نغادر المزدلفة إلا بعد أن قامت السلطات المسئولة بالسيطرة على الحرائق، وسمحت لنا الظروف بالتوجه إلى مخيمنا في منى.

وبعد فترة بسيطة غربت الشمس واستقر الجميع في منى وفي الخيم التي أعدت لنا مسبقاً، وكنت قد جلبت معي بعض الحاجيات لاستخدامها في منى بعد الإحلال من الإحرام في حقيبة زرقاء صغيرة، والتي فقدتها بقدرة قادر، حيث كانت أمامي مع الحقائب الأخرى الخاصة بالأخوة الآخرين، تكلمت مع جميع الأخوة استفسر عن الحقيبة فكان الجواب دائماً بالنفي وأنهم لم يجدوها بعد أن فتشوا جميع الخيم الخاصة بنا، قلنا "إنا لله وإنا إليه راجعون"، هنا أشار لي الأخ أسعد خريبط بأن الحقيبة قد تكون عند النساء وفي خيمتهم المعدة لذلك، قلنا له كيف يحدث والحقيبة موجودة مع حقائب الرجال، قال "إني متأكد من ذلك"، ذهبنا إلى المسئولات عن خيمة الحجيات، وبعد التفتيش الدقيق لم يجدوها، توكلنا على الباري عز وجل، وبسبب ضياع الحقيبة أمضيت الأيام الثلاثة في ثوبي الإحرام وكنت الوحيد بين الأخوة الحجاج، الذي ظل في هذا الحال، مع أن الآخرين قد استبدلوا ثوبي الإحرام بملابس ألعاب بعد قيامنا جميعاً بأداء الأعمال الخاصة، أما أنا المسكين فقد ذهبت مع باقي الأخوة للطواف والسعي في ثوبي الإحرام وآثار الغبار والأدخنة والتراب تغطيها، وكانت المفاجأة عندما أردنا أن نترك منى بعد أداء جميع أعمالنا تقريباً والذهاب إلى مكة المكرمة، وبعد أن وضعنا كل الحقائب والحاجيات والأثاث في السيارات المعدة، أتت إحدى الحاجيات وبيدها حقيبة زرقاء تقول لمن هذه الحقيبة!!، فإذا هي الحقيبة الخاصة بي فقلت لها أنا ابحث عنها منذ ثلاثة أيام فأجابتني بأنها كانت في الخيمة الخاصة بالحجيات ولا نعلم لمن هي!، هناك أطل الأخ أسعد خريبط برأسه وقال "سيدنا ألم أقل لك أني متأكد أنها في خيمة الحجيات"، على كل الوقت قد مضى للاستفادة منها وآثرت أن أبقى في ثوبي الإحرام حتى الذهاب إلى مبنى الحملة في مكة المكرمة، وألبس ملابس جديدة بعد أخذ حمام في مقرنا الديلوكس.

ولنرجع إلى منى قليلاً، لنعطي صورة عما حدث مساء يوم الحريق، فبصراحة لم نستطع النوم في تلك الليلة.

غادرنا منى متوجهين إلى مكة المكرمة بالشاحنات التي ملئت بالخيم والأثاث والبسط والحاجيات المختلفة، وصلنا إلى المنطقة التي أتت عليها النيران، منطقة خاوية خالية من أي شيء إلا السيارات المختلفة المحترقة، باصات كبيرة لا ترى منها إلا هياكلها، وشاحنات حولتها النيران إلى قطع سوداء، آثار المخيمات التي داهمتها النيران، رائحة الحرائق وبقاياها المدمرة خير دليل على هول الكارثة وعظم المأساة، وهناك بعض الصور التي استطاع الأخ العزيز محمد عبد الهادي المحميد أن يلتقطها، ولم نكن نملك ما نفعله إلا قراءة الفاتحة على أرواح الذين قضوا في هذه الكارثة والدعاء لمن يتلقى العلاج في المستشفيات.

ومن الجدير بالذكر أن الحاج في يوم العيد وهو يؤدي أعماله لا يشعر بهذا اليوم لأنه يغادر المزدلفة ويذهب لرمي العقبة الكبرى ثم الذبح أو النحر وبعد ذلك يستعد للحلق وإتمام بقية الأعمال من طواف وسعي، والتواجد في منى قبل غروب الشمس، ويستذكر إخوانه وأصدقاءه الذين تركهم في بلده، ويتساءل وهم في يوم العيد كيف يلبسون كل جديد ويقيمون الولائم التي تحتوي على جميع أنواع الأطعمة والأشربة والحلويات المتنوعة ويوزعون مختلف العصائر والشرائب، ويجري مقارنة بسيطة بين ما يقوم به من أعمال وحركات وذهاب وإياب على مدار الساعة واليوم والتعب والعرق والإنهاك الذي يشعر به والحاجة لأخذ قسط من الراحة والنوم، ولكن كل ذلك يهون في سبيل نيل رضوان الله سبحانه وتعالى.

على كل حال بعد أن قمنا بالانتهاء من أعمالنا وتهيئنا للعودة إلى بلادنا ونحن نقوم بتجهيز حقائبنا للذهاب إلى مطار جدة، أخذت الحلويات تنهال علينا ، فهذا يزودنا بالحلوى والآخر بالرهش والبعض بالدرابيل و"الكليجة" وأنواع أخرى من المأكولات التي تكفي لكتيبة كاملة، قلنا لهم هذه ليست هدية، ولكن الفائض الذي تريدون التخلص منه للتخفيف على الحقائب، فلسنا بحاجة إليهم الآن، ونحن معكم أيام عديدة وأوقات كثيرة ولم يقدم لنا أحد شيء وتركناها كما هي –طبعاً الكمية الأكبر كانت تصلنا من الحجيات- وانتقلنا إلى السيارات المعدة لنقلنا إلى مطار جدة.

وذهبنا إلى مطار جدة، وقيل لنا أن الطائرة سوف تكون جاهزة لتنقلنا إلى بلدنا الكويت، ودخلنا صالة المطار وهي متوسطة الحجم خالية من كل شيء إلا الحوائط الأربعة والأرضية المكونة من الكاشي، ودورة مياه بائسة.

بعد هذه الرحلة الطويلة الشاقة، اكتشفنا أن رحلتنا إلى الكويت ستكون بعد يومين ويجب علينا البقاء في هذه الصالة الكئيبة رجالاً ونساءً.. كباراً وصغاراً، وأما المسئولين عن الحملة فقد غادروا المطار، لنتدبر نحن أمورنا، واستخدمنا حقائب اليد كوسادات نضعها تحت رؤوسنا وقت النوم، وأما أنا فقد فرشت "الوزار" الذي كان معي واستخدمته لكي آخذ قسطاً من الراحة والنوم بعد تعب الحج، وكان تعب الحج هذا أفضل بكثير من راحة ونوم صالة مطار جدة.

أمضينا الليلة وصلينا الفجر.. العضلات أصبحت كالحجر.. وعظام الجسد أصبحت كالحديد.. والمشي بدون ألم وبغير وجع كان من المستحيلات، تداولنا الحديث فيما بيننا وقلنا أنه من المستحيل أن نقضي ليلة أخرى في صالة مطار جدة (ناقص خمس نجوم)، ويجب التفكير في مأوى آخر، اتفقنا أن نهذب إلى جدة، وفعلاً ركبنا سيارات الأجرة وحجزنا بعض الغرف في فندق جميل شبه جديد، واستطعنا أن ننعم بحمام منعش وتناولنا وجبة الغداء التي كانت تتكون من الأسماك وخاصة أن مدينة جدة تقع على البحر، أمضينا الليلة في مدينة جدة والفندق وأخذنا قسطاً من الراحة التي كنا بحاجة إليها، وتم تأهيل أجسادنا من التعب الذي صاحبنا في الحج وفي الصالة البائسة في مطار جدة، ودب النشاط فينا مرة أخرى.

عدنا إلى المطار لكي نستغل الطائرة المتوجهة إلى بلدنا الحبيب، وكان أكثر الحديث الذي يدور بيننا في الطائرة عن رحلتنا التي كانت الأولى للحج وما صاحبها من أحداث ومواقف، البعض يستذكر الطواف وعرفات والمزدلفة ومنهم من يعلق على رمي الجمرات وبعض الحجاج الذين كانوا يرمون على ما يقولون (الشيطان) بالأحذية والمكانس، ومنهم من يقول أن هذه أول وآخر حجة، ولكن للإنصاف الكل كان يصف الرحلة بأنها روحية وممتعة وأكثرهم قاموا بتأدية مناسك الحج بعد ذلك مرات عديدة قد تصل إلى عشرون حجة.

وصلنا إلى مطار الكويت الدولي وذهبنا إلى بيوتنا وإلى الأهل بعد أن كان عدد كبير من الأحبة والأخوة والأهل في استقبالنا، ومن أعظم الفوائد وأفضل النعم علينا من هذه الرحلة أن بدأ مشوارنا مع الحج بعد ذلك لسنين طويلة، بدءاً مع حملة التوحيد التي تم إعدادها من قبل الأخوة الذين كانوا ضمن مسيرة العمل الذي انطلق من جامع النقي، وقد تسنح لنا الفرصة في المستقبل بأن نتعرض لحملات الحج التي أنشئت بدءاً من العام 1399هـ الموافق 1979م.


التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: