فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





سيد جابر بهبهاني - 18/07/2018م - 11:27 م | عدد القراء: 1278


توارث المسؤولية

لقد بذل الرعيل الأول في الكويت جهوداً مضنية حثيثة واستعانوا عليها بالصبر في سبيل إعمار بيوت الله عزوجل، وقد كانت هذه الجهود بمثابة وضع اللبنات الأولى في تناغم مجتمع تأسس حديثا من عدة انتماءات انسجمت وتشكل منها نسيج المجتمع الكويتي، بذلت هذه الجهود من منطلق الإحساس بالمسؤولية في إعمار مساجد الله تعالى كما أكدت الآية الكريمة (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)، وكذلك رغبة في ثواب من الله سبحانه كما جاء في الحديث النبوي الشريف " مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ" .

وتوارثت الأجيال مسؤولية إعمار المساجد جيلاً بعد جيل وازدادت هذه المسؤولية بعد أن أنعم الله تعالى على الكويت بالخير ورفاهية العيش، وسادت فيها أجواء الديموقراطية التي رسخها الدستور الكويتي وكفل فيها حرية الاعتقاد والتعبير، وفي مثل هذه الأجواء لا يحتاج المرء سوى أن ينشط ويبذل الجهد لإقناع الرأي العام سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي في حقه بممارسة حرية الاعتقاد والتعبير.

 

مسجد الإمام الحسن عليه السلام

مسجد الإمام الحسن عليه السلام في منطقة بيان هو نموذج من نماذج توارث المسؤولية في إعمار المساجد والسعي بكل نشاط وهمة وبذل الجهد في هذا المجال، وهو نموذج ولد نموذجاً آخر تكاتفت فيه جهود متنوعة الإنتماءات من أجل اقناع الرأي العام بحق كل مواطن في ممارسة حرية العقيدة والتعبير بغض النظر عن انتماءه المذهبي بعد أن سادت فترة ركود في ترخيص بناء مساجد لأبناء المذهب الإسلامي الجعفري .

كإجراء لمن يريد أن يبني مسجداً لابد له من تقديم طلب لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لتخصيص موقع للبناء مع تحديد المنطقة، ووزارة الأوقاف إما أن تخصص له موقعاً من المواقع المخصصة لبناء مسجد في الخريطة التنظيمية للمنطقة، أو أن تقدم طلباً لبلدية الكويت لتخصيص موقع من الساحات الخالية في المنطقة المحددة في طلب التخصيص، وعادة ما تتخذ وزارة الأوقاف الإجراء الثاني لمساجد أبناء المذهب الإسلامي الجعفري، ولهذا تطول وتمتد اجراءات التخصيص لسنوات، وفي كثير من الحالات وحتى بعد أخذ الموافقات للبناء وتنفيذ جزء من مراحل البناء تعود الإجراءات إلى المربع الأول عندما يرفض "بعض جيران الموقع المخصص" لبناء المسجد ويقدمون كتاباً بهذا الشأن يحتوي على تواقيعهم.

وإذا تم تخصيص الموقع لابد من تقديم مخططات بناء المسجد لوزارة الأوقاف للتأكد من أن المخططات مطابقة لشروط ومواصفات بناء المسجد، وإذا اعتمدت الوزارة المخططات تقدم لبلدية الكويت لأخذ الموافقات الفنية والتنظيمية للبدأ بتنفيذ البناء حسب الشروط المعتمدة لديها.

لقد نشط أخونا المرحوم الحاج محمد خضير حبيب (أبو مصعب) رحمه الله تعالى طوال خمس سنوات وبذل جهوداً كبيرة في اتباع الإجراءات السالفة الذكر من أجل تخصيص موقع لبناء مسجد في منطقة مشرف، والذي أعانه على هذه الجهود هو علاقات التقدير والاحترام التي كانت تربطه ببعض القيادات في وزارة الأوقاف، وكذلك مثابرته وطول صبره وسعة صدره وقدرته المتميزة على الإقناع.

وقد أثمرت هذه المثابرة على تخصيص موقع له في منطقة مشرف قطعة 6، وأتذكر أني كنت كلما ذهبت الى موقع المسجد أجد المرحوم أبومصعب متواجد للإشراف على مراحل البناء بكل همة واعتزاز بهذا الإنجاز، ولكن كما يقال يا فرحة ما تمت طلبت وزارة الأوقاف من أبومصعب التوقف عن تنفيذ البناء بناء على "طلب من بعض جيران الموقع" المخصص في منطقة مشرف، وكان هذا بعد الإنتهاء من صب الأعمدة، وبعد متابعة مع وزارة الأوقاف تم التنازل عن هذا الموقع لمتبرع آخر مع تعويض المرحوم أبي مصعب عن ما تم إنجازه، وقد أكمل المتبرع الجديد بناء المسجد وسمي باسم سبيكة فهد الزين فجزاهما الله تعالى خير الجزاء.

مقابل هذا التنازل تم تخصيص موقع آخر لأبا مصعب في منطقة بيان قطعة 12، وهو الموقع الحالي للمسجد، وقد أبدى المرحوم الحاج حسن غلوم رضا كراشي رحمه الله تعالى رغبته واستعداده بتحمل كافة نفقات بناء وتجهيز المسجد، واتفق مع المرحوم أبي مصعب على ذلك، وبدأ تنفيذ البناء وقد حاولت مجموعة متطرفة حرق ما تم انجازه من الهيكل الخرساني، ولكنها لم تفلح وخاب سعيها وتمكنت فقط من حرق غرفة الحارس، وتوقف البناء لفترة وذلك لإجراء التحقيقات ومن ثم تواصل البناء مرة أخرى إلى أن تم الإنتهاء من البناء والتجهيز والإفتتاح الرسمي في عام 1983م.

وبناء على الحكم الشرعي الذي يقضي بأن الواقف هو المتبرع بالبناء وهو من يعين المتولي سلم أبومصعب بكل أريحية وطيب خاطر إدارة المسجد للحاج حسن كراشي وأصبح هو المتولي، وقد شكل الحاج حسن كراشي لجنة لإدارة المسجد فجزاهم الله تعالى جميعاً خير الجزاء.

 

بو مصعب المبدع المجد

أخونا المرحوم أبومصعب رحمه الله تعالى كان رجلاً مجداً ومبدعاً في أفكاره ومشاريعه الخيرية، وكان مصدر إلهام للشباب يدفعهم للعمل وتحدي الصعاب وعدم الاستسلام لها، وهو من الشخصيات التي تركت بصماتها على شخصيتي واهتماماتي، وكنت أتابع جهوده أثناء مراحل تخصيص الموقع وبناء المسجد متابعة حثيثة، وقد بذرت هذه المتابعة في اهتماماتي الرغبة في السير على خطاه لبناء مسجد، وكنت أعلم بأني متى ما بدأت بهذا المشروع سوف لن أكون وحيداً ولن أبدأ من الصفر لأن أبا مصعب عودنا على بذل خبرته توجيهاً وإرشاداً وحثاً على مواصلة الجهود حتى يتحقق المشروع، فهو ليس من النوع الذي يقترح ويترك اقتراحه تعصف به رياح الاحباط، بل يقترح ويتابع ويوجه، وهذا ما كان منه فعلاً مع مشروع بناء مسجد في منطقة القرين.

 

بدأت الخطوة الأولى في طلب التخصيص

بدأت الخطوة الأولى في طلب تخصيص موقع لبناء مسجد في منطقة القرين بعد أن تم تخصيص قسيمة سكنية لي في منطقة القرين قطاع هـ، وقد كان هذا في شهر أكتوبر 1987م، وبعد أسبوعين قدمت طلبا لوزارة الأوقاف (في نوفمبر 1987م) لتخصيص موقع لبناء مسجد للمسلمين الشيعة في منطقة القرين قطاع هـ.

وأتذكر أنني عندما عقدت العزم وتوكلت على الله تعالى في تقديم الطلب ذهبت للمرحوم أبي مصعب وأخبرته بالعزم، فبارك هذه الخطوة وأبدى استعداده للتعاون معي وحثني على المتابعة وعدم الاستسلام للملل أو الكلل، فسألته: من أين أبدأ؟ أجابني: أكتب كتاباً بالطلب لوكيل وزارة الأوقاف وأملى علي صيغة كتاب كالتالي: "أتقدم بكتابي هذا إلى حضرتكم راجياً الموافقة على تخصيص أرض بمنطقة القرين قطاع هـ لبناء مسجد للمسلمين الشيعة" .

وهكذا بادرت في اليوم التالي بإعداد الكتاب وذهبت به مباشرة لوكيل وزارة الأوقاف وسلمته إياه شخصياً، فقال لي الوكيل على سبيل الطرفة: أول روح إبني بيتك وبعدين تعال حق المسجد، قلت له: لا أول أريد أن أبني بيت الله تعالى وبعدين أبني بيتي.. ووعدني الوكيل خيراً ولم يحدد موعداً لأراجعه فيه.

وعندما أخبرت المرحوم أبا مصعب بالخطوات التي قمت بها نبهني لأمر، وهو أنه لابد من تقديم الطلب رسمياً للوزارة من خلال السجل العام في الوزارة وليأخذ رقماً، وضرورة توقيع السجل العام على نسخة من الطلب لأحتفظ به بحيث يشتمل على رقم السجل وتاريخ تقديم الطلب، وهذا ما دعاني للذهاب مرة أخرى لوزارة الأوقاف لإتباع الإجراءات الرسمية في تقديم الطلب التي تم ذكرها.

كان هذا التنبيه هو الفصل عندما تزاحمت الطلبات في بناء مسجد للمسلمين الشيعة في نفس المنطقة فتم الإتفاق عندها على أن يكون التخصيص حسب أولوية تاريخ تقديم الطلب، ولولا هذا التنبيه المستند على الخبرة  لضاع هذا الطلب في زحمة الطلبات، وهكذا أصبح من السهل بالنسبة لي إثبات أولوية الطلب الذي تقدمت به، لأني منذ البداية خصصت ملفاً للإحتفاظ بجميع المستندات والمراسلات الخاصة بالمسجد، وأصبح الملف ملفين عند إفتتاح المسجد في عام 2008 م، وقد وثقت مراحل تخصيص الموقع وبناء المسجد مع جميع المستندات الرسمية الخاصة والمقالات الصحفية التي كتبت بهذا الشأن في اصدار لاحق أسميته "مسجد سيد هاشم بهبهاني.. حقائق ووثائق" .

وكان بعدذلك الإجراء يقضي بتحويل كتاب الطلب إلى إدارة الخدمات الفنية فهي الإدارة المسؤولة عن تخصيص مواقع للمساجد حسب احتياج كل منطقة، ولكن تأخر التحويل على ما يزيد عن العام بثلاثة أشهر راجعت خلالها الوكيل أكثر من ستة مرات عسى أن يتحرك الكتاب من مكتب الوكيل ولكن دون جدوى إلى أن تم تحويله في فبراير 1989م، وأتى الرد من الإدارة الفنية في مارس 1989م بالرفض بحجة عدم حاجة المنطقة وعدم توافر مواقع مخصصة لبناء مساجد.

 

رفض الطلب

لم أكن متفاجئاً من رفض الطلب ولا بسببه وذلك بناء على طبيعة الحوار الذي دار بيني وبين الإدارة الفنية عندما راجعتها للمتابعة بعد تحويله من الوكيل، وسبب الرفض هذا هو الذي دفعني إلى تقديم طلب التخصيص في وقت مبكر، حتى لا أمر في نفس الإجراءات التي مر بها من سبقني في هذا المجال بالبحث عن الساحات الخالية لتخصيصها ثم تغيير الموقع أو طلب موافقة جيران الموقع، وكل ما حاولت تجنبه حصل كما سيأتي لاحقاً وهذا أول عقدة في سلسلة العراقيل المتتالية، علماً بأن منطقة القرين حين تقديم الطلب كانت منطقة واحدة ولم تتحول بعد إلى محافظة بأربع مناطق (القرين - مبارك الكبير ـ القصور ـ العدان) ، تبدأ المنطقة من ضاحية صباح السالم وتنتهي عند الدائري السابع، وهي عبارة عن أرض جرداء خالية من أي منشأة حكومية كانت أو أهلية .

طبعاً في فترة الغزو الصدامي واحتلاله للكويت توقفت أعمال كل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية وعليه توقفت من مراجعاتي للوكيل، واستمر هذا التوقف حتى بعد تحرير الكويت لأكثر من عام لأن كل وزارات الدولة ومؤسساتها كانت منهمكة بإصلاح الدمار والخراب الذي أحدثة الاحتلال،  وفي هذا الوقت كنت قد انشغلت بإتمام ما تبقى من بناء وتوصيل التيار الكهربائي لمنزلي الخاص في منطقة القرين التي بدأت معالمها السكنية تظهر للعيان بعد أن كانت أرضاً جرداء.

 

أول مراجعة بعد الاحتلال

ولعل أول مراجعة بعد الإحتلال بدأت بتقديم كتابا لوزير الأوقاف بتاريخ 18/4/1993م طالبا منه متابعة طلب التخصيص الذي تقدمت به عام 1987م، فكان الرد أن هذا الأمر من اختصاص الهيئة العامة للإسكان لأنها هي من نفذت مخطط البناء وهي من لديها المواقع المخصصة لبناء المساجد، وعلى الرغم من عدم قناعتي بهذا الرد لأن الهيئة تتصرف بهذا الشأن بناء على توجيهات وزارة الأوقاف، إلا أنه اتماماً للحجة قدمت كتابا لوزير الإسكان الذي حولني بدوره إلى مدير الهيئة العامة للإسكان الذي أكد بأن هذا الأمر يتم بتوجيه من وزارة الأوقاف، وقد خاطبت الهيئة وزارة الأوقاف بهذا الخصوص بتاريخ 3/5/1993م، ولكن الوزير كان قد تغير .

وهذا من المشاكل التي كنت أواجهها هو أني كنت ملزماً بشرح الموضوع من جديد كلما تغير وزير أو وكيل، ولقد وصل عدد الوزراء إلى ثلاثة ومثلهم من الوكلاء الذين تابعت معهم الطلب، إما بلقاء مباشر أو من خلال كتاب أتقدم به لهم، إلى أن تم تعيين د. علي الزميع وزيراً والسيد خالد الزير وكيلاً حدثت انفراجة بعد عدة لقاءات تمت معهم مباشرة برفقة أبي مصعب، وكان أبومصعب في هذه اللقاءات وكما يقال يعين بأخذ موعد اللقاء ويعاون في الحوار لما تربطه مع الوزير والوكيل من علاقات تقدير واحترام .

 

موافقة الوزير على طلب التخصيص

وبعد إلحاح في عدة لقاءات وافق الوزير على طلب التخصيص الذي تقدمت به، وبناء عليه وجهت وزارة الأوقاف كتاباً بتاريخ 7/4/1996م إلى بلدية الكويت تطلب فيه تخصيص موقع لبناء مسجد في القرين قطاع هـ، واتخذ الوزير هذا القرار بعد أن تزاحمت طلبات بناء مسجد للمسلمين الشيعة في القرين، فقرر أن تكون الأولوية للتاريخ الأقدم في الطلب الذي كان من نصيب الطلب الذي تقدمت به في نوفمبر 1987م، وفي لقاء مع الوزير شكى من حيرته أمام تزاحم الطلبات لمن يخصص الموقع وقلت له ولماذا يخصص موقع واحد فليخصص أكثر من موقع، لأن منطقة القرين كبيرة والمسلمين الشيعة يشكلون ما نسبته 30%  وموقع واحد لا يكفي لإستيعاب هذا العدد، ابتسم وقال: ( يا معود خل نمشي هالمسجد وتالي نشوف بقية الطلبات) ، علما بأنه حسب معيار وزارة الأوقاف لابد أن يكون مسجد لكل 350 مواطن ساكن في المنطقة، لذلك نرى إقامة ثلاثة او أربعة مساجد في كل قطعة.

 

إعلان بدأ مرحلة

كان هذا الكتاب الصادر من زارة الأوقاف لبلدية الكويت بمثابة اعلان عن بدأ مرحلة و انتهاء مرحلة دامت لأكثر من 6 أعوام إذا ما أسقطنا الأعوام الثلاثة التي وقع فيها الإحتلال وما نجم عنه من توقف عمل المؤسسات الحكومية وإصلاح الخراب والدمار فيها، وطبعاً نتيجة هذا الإنجاز شاع الإرتياح لدى المسلمين الشيعة من قاطني منطقة القرين التي بدأ العمران يمتد فيها أكثر فأكثر، وسبب هذا الارتياح هو أن أقرب مسجد لهم هو مسجد الإمام الحسن عليه السلام في منطقة بيان، ويحتاج إلى ما لا يقل عن ربع ساعة ذهاباً ومثلها إياباً بالسيارة .

كان كتاب وزارة الأوقاف يطلب من بلدية الكويت تخصيص موقع لبناء مسجد على إحدى الساحات الخالية، لأن المواقع المخصصة لبناء مساجد أصلاً وعددها أربعة وخمسون قد تم تنفيذها، إضافة إلى ما يزيد على عشرة مصليات مؤقتة (شبرة) في الساحات الخالية قد تم بنائها كمساجد .

والإجراء في بلدية الكويت لتنفيذ هذا الطلب يقضي أولاً بالبحث عن موقع من بين الساحات الخالية، ثانياً مراسلة وزارات الخدمات للتأكد من عدم وجود ما يعيق من قيام منشأة في هذا المكان، مثلاً عدم وجود تمديدات كهربائية أو تلفونية أو مجاري أو غيرها، ثالثاً إعداد تقرير مرفق به المخططات وتقديمه للجنة الفنية في المجلس البلدي، رابعاً تدرس اللجنة الفنية الموقع المقترح وترفعه للمجلس البلدي مع توصيتها بالرفض أو الموافقة، خامساً يصوت المجلس البلدي على توصية اللجنة إما بالرفض أو الموافقة.

في كل مرحلة من هذه المراحل لابد من المتابعة الشخصية والاتصال بالمعارف لتحريك الموضوع من مكتب إلى مكتب ومن مسؤول إلى آخر، لأن من المعروف أنه لو ترك الأمر للبيروقراطية سوف تفوز السلحفاة عليه بفارق سبع لفات.

والجدير بالذكر أن من كثرة مراجعاتي لبلدية الكويت التي دامت لأكثر من سبعة أعوام وهي الفترة من صدور كتاب وزارة الأوقاف لتخصيص المسجد إلى حين الحصول على الموافقات لبناءه، تعرفت على الكثير من موظفي بلدية الكويت، وكانوا متعاونين معي في حدود صلاحياتهم ويرغبون في المزيد من التعاون، لكن البيروقراطية البائسة كانت تطل برأسها لتقف حجر عثرة أمام ذلك، ورغم ذلك لا زالت تربطني ببعضهم علاقات أخوة ومحبة .

وكان أول موقع اقترحته على بلدية الكويت في أول لقاء بعد استلامها كتاب وزارة الأوقاف السالف الذكر في القرين قطاع هـ (الذي أصبح قطعة 3) بين مدرستي عبدالكريم السعيد والنبراس، واقترحت البلدية في تقريرها المرفوع للجنة الفنية في المجلس البلدي موقعين آخرين، الأول في القصور بجانب سنترال التلفون والثاني في القرين بجانب مركز تعبئة المياه، وقد خرجت اللجنة الفنية في تقريرها المرفوع للمجلس البلدي المؤرخ 23/12/1997م بتوصية مسبقة بالرفض بعدم احتياج المنطقة لمزيد من المساجد .

 

المبادرة تحولت إلى فريق عمل

وإذا كان أول أمر تقديم الطلب في عام 1987م مبادرة شخصية قمت بها، وكان أمل تحقيقها وخاص الطلب الخاص بي عند الكثيرين فوق الصفر بشبر، نتيجة الرفض المتكرر في تخصيص مواقع لمثل هذه الطلبات، فإنه مع تطور مراحل المتابعة اتجه منحى الأمل عندهم إلى الارتفاع إلى أن صار مطلباً لهم ومتابعة منهم وتفاعلاً لما يستوجب فعله، كما لاقت هذه المبادرة مباركة من حولي من الأخوة العاملين واستحسانهم ودعمهم بالرأي والفعل، وأنا بدوري كنت أطلعهم أولاً بأول وبإستمرارعلى المستجدات التي تطرأ على الطلب والتشاور معهم على الخطوات المقبلة المناسبة، أي أن المبادرة تحولت إلى عمل جماعي توزعت فيه الأدوار وتنوعت الجهود في أدائها.

وعليه ارتأى هؤلاء الأخوة أنه لابد من تنبيه أعضاء مجلسي البلدي والأمة ومعهم الرأي العام على خطورة توصية اللجنة الفنية القاضية بالرفض، وذلك لأنها ستثير الشجون الطائفية في المجتمع الكويتي لما فيها من غبن لشريحة واسعة من أهالي منطقة القرين، لأنها ستحول دون ممارسة حقهم الشرعي والدستوري في حرية الاعتقاد.

وبالفعل تضافرت الجهود وزاد النشاط والحركة للقيام بهذا المهمة، فتم توجيه كتاب لأعضاء المجلس البلدي، كل باسمه قبل جلسة المجلس البلدي المقرر فيها عرض توصية اللجنة الفنية وتحميلهم مسؤوليتهم الوطنية في مناقشتها، وتجاوب مع هذه الكتب عضو المجلس البلدي في وقته السيد خليفة مساعد الخرافي، وأتذكر أنه اتصل بي هاتفياً ليبدي استنكاره واستياءه من التوصية، ووعد بأن يكون داعماً ومسانداً لتخصيص موقع لبناء مسجد في منطقة القرين، وهذا ما كان فقد كفى ووفى جزاه الله تعالى خير الجزاء .   

كما تم في نفس الوقت توجيه كتاب لأعضاء مجلس الأمة كل بإسمه، بنفس المضمون طالباً منهم تحمل المسؤولية وضرورة حضورهم جلسة المجلس البلدي المقرر فيها عرض توصية اللجنة الفنية، وكذلك تم حث أبناء منطقة القرين على حضور هذه الجلسة لمعرفة مصير طموحهم الذي بنوا عليه الآمال ليمارسوا حقهم العبادي، وانتظروا اكثر من عشر سنوات لتحقيقه كانوا خلالها في حالة متابعة وسؤال ومساندة .

 

الجلسة السرية

لقد أثمرت هذه الجهود في تنبيه الرأي العام، ففي يوم الجلسة بتاريخ 6/1/1997م حضر الجلسة النائبان د. حسن جوهر وصلاح خورشيد تجاوباً مع الكتاب الذي تم توجيهه لأعضاء مجلس الأمة، وكذلك حضر الكثير من أبناء المنطقة وقد كان الحضور بهذا العدد ملفتاً للإنتباه ومن النوادر، لذا تم تحويل الجلسة إلى سرية تحاشيا للإثارة، وفي الجلسة السرية تقرر إعادة التوصية الى اللجنة الفنية لمزيد من الدراسة.

وحظيت أحداث الجلسة بتغطية واسعة في الصحف اليومية في اليوم التالي، وبدأ المجتمع الكويتي يتساءل عن هذه التعقيدات في التعامل مع طلبات تخصيص مواقع لبناء مساجد للمسلمين الشيعة، وقد يكون هذا أول ظهور إعلامي على نطاق واسع لهذه القضية، فالسابقون كانوا يعتمدون على الإتصالات الشخصية لمعالجة هذا الموضوع لتجنب الإثارة الطائفية حسب وجهة نظرهم ضمن ظروف معينة، التي قد تكون صالحة وتمكنوا بواسطتها من إنجاز العديد من المشاريع، ولكن الزمان يتغير والوعي يتطور والظروف تتبدل والأساليب تتنوع.

وتمضي ما يقارب الثمانية أشهر واللجنة الفنية في المجلس البلدي لم تحرك ساكناً في مناقشة أو دراسة التوصية، واصطدمت كل الجهود التي حاولت إعادة دارسة التوصية تارة بالرفض وتارة أخرى بالوعود على الطريقة الكويتية "يصير خير" ، ومعروف أن مثل هذه الوعود لا تحصل منها سوى الإبتسامة وتطييب الخاطر .

 

كتاب إلى النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء

أمام هذا الجمود اقترح الأخوة أن يتم رفع كتاب إلى النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، وقد كان وقتها أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وبالفعل تم كتابة الكتاب وفيه شرح مختصر للمراحل التي مر بها تقديم الطلب والجمود الذي يعاني منه الآن، وقد قام السيد عبدالوهاب الوزان بتسليم الكتاب للنائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الذي وجه بدوره مشكوراً كتاباً لرئيس المجلس البلدي لتقديم المساعدة الممكنة وفق النظم واللوائح.

 

الدور المحوري للسيد/ عبدالوهاب محمد الوزان 

كان لأخينا عبدالوهاب الوزان الدور المحوري في هذه المرحلة إلى حين البدأ في تنفيذ بناء المسجد، لما يحمله من هَم وهمّة في هذا المجال، ولما له أيضاً من علاقة طيبة طابعها الإحترام والتقدير مع العديد من المسؤولين، فلم يدخر جهداً ولم يتأخر في متابعة أي خطوة في مجال تخصيص مواقع لبناء مساجد للمسلمين الشيعة، فقد نشط بكل إخلاص وإيثار وبادر لمتابعة طلبي و طلبات لمسجدين أخرين، منها عدة لقاءات مع رئيس المجلس البلدي، وقد وفقه الله تعالى في إنجازها، ونسأل الله تعالى له الأجر والقبول.

وكانت هذه المساجد حسب ترتيب إنجازها هي مسجد الامام الرضا عليه السلام في منطقة الأحمدي ومسجد سيد هاشم بهبهاني في منطقة العدان ومسجد جاسم الوزان في غرب مشرف، والأمر الذي يحسب له في هذا المجال ويشكر عليه أنه لم يقدم طلب مسجد جاسم الوزان الذي كان رغبة شقيقه المرحوم جاسم الوزان قبل وفاته على بقية الطلبات، بل وبكل إيثار قدم بقية الطلبات على هذا الطلب، وبالتالي كان مسجد الوزان آخر مسجد تم انجازه من بين المساجد الثلاث.

 

العلامة السيد محمد باقر المهري

العلامة السيد محمد باقر المهري رحمه الله تعالى كان من المهتمين بموضوع تخصيص مواقع لبناء مساجد للمسلمين الشيعة، وكان دائم المتابعة والسؤال، وداعماً للجهود التي تبذل في هذا المجال، وقد أعلن السيد رحمه الله تعالى بأنه سيقيم صلاة الجماعة يوم الجمعة في إحدى الساحات الخالية في منطقة القرين، ولكن بعد التشاور تم تأجيل هذه الفكرة إلى أن تتوافر الظروف المناسبة لها.

 

شكوى إلى رئيس مجلس الأمة

وفي محاولة أخرى لتحريك الموضوع في اللجنة الفنية تم تقديم شكوى إلى رئيس مجلس الأمة بتاريخ 15/3/1998م ومنه إلى لجنة الشكاوى والعرائض بمجلس الأمة، تضمنت تظلم أهالي القرين من تأخر تخصيص موقع لبناء مسجد في المنطقة، ومعاناتهم طوال عشرة سنوات، كما رفعت شكوى أخرى بنفس المضمون موقعة من 300 مواطن من أهالي القرين، وقد تكرر هذا الموضوع خلال عام ثلاث مرات ضمن جدول أعمال اجتماع لجنة الشكاوى والعرائض، الأولى لم يحضر فيها المعنيون من المجلس البلدي، بينما حضرتها أنا برفقة د. عبدالسيمع بهبهاني ود. يوسف الزلزلة، والثانية لم يكتمل فيها النصاب رغم حضور رئيس المجلس البلدي، والثالثة حصلت على وعود مجردة من نائب مدير عام بلدية الكويت بمتابعة الموضوع وبحث أسباب التأخير .

وفي عام 1998م شكل مجلس الأمة لجنة تحقيق في المخالفات المنسوبة لبلدية الكويت، فتقدمت لها بشكوى بتاريخ 3/3/1998م للنظر في هذا الموضوع.

 

معرفتي بالسيد/ صادق خلف الجمعة  

بداية معرفتي بالأخ صادق خلف الجمعة (بوفيصل) كان في عام 1980م عندما ترشح لإنتخابات المجلس البلدي لأول مرة في منطقة الدسمة التي لم تكن الدائرة الأولى، وقد تمكن من الفوز في هذه الإنتخابات، وكنت أنا وأخونا عبدالمطلب الوزان أعضاء في حملته الانتخابية، وكان تقسيم الدوائر الإنتخابية في ذلك الوقت حسب الدوائر الخمس.

وتمكن بوفيصل من الفوز بعضوية المجلس البلدي لدورة ثانية، وتطورت علاقتي في بوفيصل أكثر مع مرور الأيام خصوصا بعد افتتاح ديوانيته مساء كل أحد في منزله في منطقة مشرف وعرفته شخصية وطنية لا ترضى بالإثارة، خلوقة ومهذبة، يخدم الناس من غير من ولا أذى.

ونظراً لخبرته كموظف في بلدية الكويت وكعضو منتخب للمجلس البلدي تم تعيينه عضواً في المجلس البلدي ضمن الأعضاء الستة الذين يعينهم مجلس الوزراء في عام 1999م، وفي هذا العام اكتمل العمران في منطقة القرين وازدحمت بالمنشآت، سواء الحكومية أو الأهلية فتم تحويلها إلى محافظة مبارك الكبير بأربع مناطق (القرين - مبارك الكبير ـ القصور ـ العدان) ، وطبعاً هذا الإكتمال العمراني وازدحام المنشآت يصعب من اختيار موقع لبناء مسجد.

اختير الأخ صادق خلف في هذا المجلس كعضو للجنة الفنية، وقد قبل بهذه المسؤولية وجعل ضمن أولوياته متابعة تخصيص مواقع لبناء مساجد للمسلمين الشيعة لأنه كان على اطلاع مباشر بالغبن الواقع عليهم  في هذا المجال وبالمشاكل والمعوقات التي تواجههم في هذا الطريق، لذا بذل جهوداً حثيثة من أجل اعادة دراسة المواقع الثلاث التي تم اعادتها للجنة الفنية في جلسة المجلس البلدي المنعقدة 6/1/1997م، وقد تجاوب أعضاء اللجنة مشكورين مع هذه الجهود وقاموا بزيارة ميدانية للمواقع الثلاثة لاختيار إحداها، وبعدها أوصت اللجنة الفنية في اجتماعها بتاريخ 13/3/2000م باختيار موقع في منطقة مبارك الكبير (بجانب محطة تعبئة المياه) كموقع لبناء المسجد .

وفي جلسة المجلس البلدي المنعقدة 8/5/2000م وبناء على طلب من اللجنة الفنية وافق المجلس بالتصويت على اعادة التوصية مرة أخرى إلى اللجنة الفنية أيضاً لمزيد من الدراسة، الأمر الذي دفع بوفيصل للإنسحاب من الجلسة احتجاجاً على تجاوز اللائحة الداخلية في التصويت، وقد أثار ما حدث في هذه الجلسة صخب الرأي العام الكويتي وبدأ الحديث مرة اخرى عن هذه التعقيدات .

 

قضية رأي عام 

وانعكس هذا الصخب الإعلامي والحديث عن التعقيدات على أول جلسة لمجلس الأمة بعد جلسة المجلس البلدي السالفة الذكر، فقد أصر النائب صالح عاشور على مناقشة ماحدث في جلسة المجلس البلدي والموقف السلبي من تخصيص مواقع لبناء مساجد للمسلمين الشيعة في منطقة القرين فأثار جدلاً واسعاً في الجلسة، الأمر الذي دفع رئيس مجلس الأمة إلى إغلاق الميكرفون عن النائب صالح عاشور.

وفي هذه المرحلة وعلى إثر ما حدث في المجلس البلدي ومجلس الأمة بخصوص هذا الموضوع انتشرت التصريحات والمقالات الصحفية لكتاب من عدة انتماءات انتقاداً لهذه التعقيدات، ومن هنا كانت الجهود المبذولة في هذا المجال نجحت في جعل قضية تخصيص مواقع لبناء مساجد للمسلمين الشيعة قضية رأي عام .

فقد كتب في هذا الموضوع كل من  الأستاذة: (السيد محمد باقر المهري - د. عبدالهادي الصالح ـ علي البغلي ـ عبداللطيف الدعيج – د. يوسف الزلزلة ـ أحمد الديين ـ حسن العيسى ـ فؤاد الهاشم ـ علي الردعان..الخ) ، وقد جمعت كل هذه المقالات والتصريحات في الإصدار سالف الذكر "مسجد سيد هاشم بهبهاني ـ حقائق ووثائق" ولدي مجموعة من النسخ لمن يرغب الإطلاع عليها.

كما أنني في عام 1999م بدأت أكتب مقالات في جريدة الوطن وطبعا كانت قضية المسجد من أولويات اهتماماتي، فقد كتبت عدة مقالات عن الحريات الدستورية، ومنها حرية العقيدة، وعن التعقيدات التي تحول دون ممارسة هذه الحريات والانتقائية في تطبيق القوانين والإجراءات الخاصة بها، وسلطت الضوء على آخر المستجدات التي كانت تطرأ على تخصيص الموقع، وقد أراحني هذا من الاجابة على السؤال عن آخر هذه المستجدات أينما أذهب، واقترح علي أحد الأخوة أن أكتب في نهاية كل مقالة سواء عن المسجد أو غيرها عدد الأيام التي مضت على تقديم طلب تخصيص موقع لبناء مسجد في منطقة القرين، وقد وصل عدد الأيام من تاريخ تقديم الطلب إلى تاريخ أول صلاة أقيمت جماعة في المسجد على أكثر من 7670 يوماً.

 

تخصيص موقعين

على إثر جلسة مجلس الأمة التي أثير فيها موضوع المسجد وما تلاها من تغطية إعلامية، أصدر أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وكان وقتها النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، توجيهاته بتخصيص موقعين لبناء مسجدين للمسلمين الشيعة في منطقة القرين، ووافق المجلس البلدي في جلسته المنعقدة بتاريخ 5/6/2000م على تخصيص موقعين لذلك في محافظة مبارك الكبير، الأول في منطقة العدان بمساحة 2500م2 لمقدم الطلب جابر سيد خلف البهبهاني (مسجد سيد هاشم بهبهاني) ، والثاني في منطقة مبارك الكبير بمساحة 1600م2 لمقدم الطلب عدنان سيد عبدالصمد (مسجد القدس) .

اعترضت وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية على الموقع المخصص في منطقة العدان بحجة وجود مسجد قائم لا يبعد عن الموقع 200م على الأقل وهي المسافة التي يجب أن تكون بين مسجد وآخر حسب معايير وزارة الأوقاف، كما أن الموقع كان ضمن موقع مخصص للهيئة العامة للشباب والرياضة لإقامة مركز للشباب (نادي القرين الرياضي حالياً) ، وبعد اتصالات عديدة دامت ما يقارب العام وافقت الهيئة على استقطاع المساحة المقررة للمسجد من الموقع.

وأما وزارة الأوقاف فبعد لقاءات عديدة بالوزير برفقة د. يوسف الزلزلة طلب مهلة لا تزيد عن عام لتبحث الوزارة عن موقع آخر تتوفر فيه مواصفات وشروط وزارة الأوقاف، فكان ردنا إيجابياً، فقد انتظرنا ما يزيد عن سبع عشرة سنة ولن نعجز عن الإنتظار سنة أخرى، والجدير بالذكر أن كل المواقع الثلاث التي رفضها المجلس البلدي كمواقع لبناء مساجد عليها بسبب معوقات فنية أو أمنية تم بناء مساجد عليها في وقت لاحق!!

وبالفعل اقترحت وزارة الأوقاف عدة مواقع أخرى، ولكن تم رفضها إذ لا تتوافر فيها المواصفات الفنية، من هذه المواقع منطقة النفايات في منطقة القرين، وقد بينت للوزير عدم صلاحية هذا الموقع فنياً واجتماعياً، فنيا لأن التربة رخوة واجتماعيا لأن إقامة مسجد في منطقة النفايات يمثل نوع من الإهانة، رد الوزير أنه ليس أول مسجد يبنى في مناطق كهذه وأنه توجد مساجد مثلها، أما رخاوة التربة فسوف تعالج بتخصيص ميزانية لإستصلاح الموقع المخصص.

وبعد مراسلات بين وزارة الأوقاف والهيئة العامة للبيئة جاء الرد بالرفض، لأن تربة الموقع لا تصلح لإقامة أية منشأة، وفي نهاية الأمر وافقت الوزارة على الموقع المخصص في منطقة العدان وطلبت تقديم مخططات المسجد تمهيداً لاعتمادها وإحالتها لبلدية الكويت لإصدار الرخص المتعددة اللازمة للبناء.

 

صدور ترخيص بناء المسجد

وبتاريخ 21/11/2002م صدر ترخيص بناء المسجد من بلدية الكويت بمساحة اجمالية قدرها 2077م2 وتحتوي مكونات المسجد على الآتي: الدور الأرضي قاعة الصلاة 576م2، مكتبة 133م2، ليوان مغطى 200م2، غرفتان بمساحة 25م2 لكل منهما، مرافق صحية، ملحق خارجي غرفتان بمساحة 25م2 لكل منهما مع حمام ومطبخ، الدور الأول المخصص للنساء يضم قاعة الصلاة 250م2، مطبخ تحضيري 10م2، مخزن 10م2، مرافق صحية.

 

الاتفاق مع أبناء المرحوم سيد هاشم بهبهاني

كانت لدى العم حسين سيد هاشم بهبهاني رحمه الله تعالى رغبة قديمة منذ وفاة والده رحمه الله تعالى عام 1968م في بناء مسجد في الكويت بإسم والده، وخصص العم المرحوم السيد حسين لهذه الرغبة أرضاً بمساحة 4000م2 في منطقة السرة، ورغم أن الأمر كان يحتاج فقط إلى ترخيص بناء المسجد، وليس تخصيص أرض، إلا أن هذه الرغبة اصطدمت ببيروقراطية إجراءات ترخيص بناء المساجد، فما كان من العم المرحوم سيد حسين إلا أن غير الرغبة ووجهها لبناء المدرسة الإسلامية الجعفرية للبنات على ذات قطعة الأرض وهي لا زالت قائمة.

فرح المرحوم سيد حسين  كثيراً عندما عرضنا عليه بناء المسجد، ولم يتردد في قبول العرض وأبدى استعداده هو وأخواه سيد جعفر وسيد ضياء حفظهما الله تعالى على تحمل كافة نفقات بناءه وتجهيزه وكذلك على مصروفاته الشهرية فيما بعد، نسأل الله تعالى لهم الأجر والقبول، وقد أبرم على هذا الأساس اتفاقاً تم توثيقه لدى كاتب العدل في وزارة العدل بتاريخ 11/3/2003م، وبموجب هذا الاتفاق يتحمل أبناء المرحوم سيد هاشم بهبهاني كافة نفقات بناء وتجهيز المسجد على أن يسمى باسم (مسجد سيد هاشم بهبهاني) ، وأن يكون المتولي عليه هو جابر سيد خلف البهبهاني.

ومن الأمور التي يشكر عليها أبناء العم سيد هاشم بهبهاني هو أنهم لم يتأخروا في الموافقة على الطلبات الخاصة بالبناء والتجهيز رغم أنها زادت عن التكلفة المقدرة، منها النظام الصوتي في المسجد، فقد أوليت له اهتماماً خاصاً لأن الصوت إذا لم يكن واضحاً ومريحاً فإن المسجد يفقد الكثير من ميزات الوعظ والإرشاد والتبليغ وهي من الوظائف الرئيسية للمسجد، والنظام الصوتي الذي اعتمدناه زاد عشرة أضعاف عن المبلغ المقدر له ولكن وفقنا بهذا النظام بحمد الله تعالى.

ومن الأمور التي تضاغفت تكلفتها عن المبلغ المقدر لها أيضا نظام المرئيات، فقد تم ربط سبع شاشات كبيرة (65 بوصة) ، أربع منها للرجال وثلاث للنساء، مع أربع كاميرات بستديو مركزي، يتم من خلالها عرض وتسجيل خطب الجمعة، وكذلك يتم استخدامها للشرح وعرض الأفلام التوضيحية، وبذلك يكون مسجد سيد هاشم بهبهاني أول مسجد في الكويت استعان بأحدث الأجهزة الإلكترونية في تأدية وظائفه العبادية والتبليغية .

 

مصلى خاتم الأنبياء (ص)

قبل البدء بتنفيذ أعمال البناء، وبناء على رغبة وإلحاح الأخوة المؤمنين من أهالي المنطقة تقدمت بطلب ترخيص مصلى مؤقت (شبرة من الحديد) بجانب الموقع المخصص لبناء المسجد ابتداء بمساحة 144م2، وأجريت عليه بعد ذلك عدة توسعات نظراً لازدحامه بالمصلين، وأضيف إليه مصلى للنساء، وبعد أن تم أخذ الموافقات الرسمية أقيم هذا المصلى بإسم "خاتم الأنبياء (ص)" وكان ذلك في نوفمبر 2003م.

وأقيمت صلاة الجماعة فيه بإمامة سماحة الشيخ علي حسن غلوم حفظه الله تعالى طوال فترة بناء المسجد، ومن خلاله تعرفنا على الكثير من الإخوة المؤمنين من أهالي المنطقة، والكثير منهم استمر معنا الى يومنا هذا، وتطورت هذه المعرفة إلى صداقة وأخوة ومحبة، وكانوا نعم العون فجزاهم الله تعالى خير الجزاء، وهذا بحد ذاته بركة من بركات المسجد.

 

بدء تنفيذ أعمال البناء

بدأ تنفيذ أعمال البناء في 3/1/2004م، وقد فوضني أبناء المرحوم سيد هاشم بهبهاني كامل التفويض في متابعة مراحل التنفيذ مع المكتب الهندسي ومقاول البناء، وجزاهم الله تعالى خير الجزاء فقد كفوني بذلك طرق أبواب التبرعات، وقد أبدى بعض المؤمنين الرغبة في المشاركة في تكاليف البناء، وقد كنت اوجههم للتبرع لمساجد أخرى، إلا أن البعض منهم أصر على ذلك، فطلبت الإذن من أبناء المرحوم سيد هاشم بهبهاني فوافقوا على أن تكون المشاركة بدون شرط.

استمر بناء المسجد قرابة أربع سنوات، وقد أقيمت أول صلاة جماعة في المسجد يوم الجمعة الموافق 30/5/2008م، وبهذا تكون فترة التأسيس والبناء قد استغرقت 7670 يوماً  (20 سنة وستة أشهر وسبعة أيام) ابتداء من تاريخ تقديم الطلب إلى أول يوم أقيمت به الصلاة، ونسأل الله تعالى القبول والأجر لكل من قدم وشارك بمجهود في هذا الطريق، كبر أو صغر وأن  تكون من الصالحات الباقيات في ميزان أعمالهم، وبهذه تكون مرحلة الإعمار الإنشائي قد انتهت وبدأت بإنتهائها مرحلة الإعمار العبادي والتبليغي والتربوي والتي هي الأساس وتستمر مادام المسجد قائماً.

 

اختيار سماحة الشيخ علي حسن غلوم حفظه الله تعالى

ولما كان قلب ومحور هذه المرحلة إمام المسجد، فقد تم اختيار سماحة الشيخ علي حسن غلوم حفظه الله تعالى للقيام بهذا الدور لما يتمتع به من صفات مناسبة، واختيار سماحته لم يكن بأسلوب إعداد قائمة من أسماء العلماء ليتم اختيار أحدهم من بينها، لأن سماحته كان قلب ومحور عملنا التربوي والتبليغي منذ أن قدم إلى الكويت من قم المقدسة بعد الإنتهاء من دراساته الحوزوية في عام 1991م، ومعرفتنا به كانت منذ عام 1983م قبل أن يذهب للدراسة الحوزوية، وكنا على إطلاع بنشاطه وهمته في تطوير إمكاناته وتنويع قدراته بعد عودته المباركة، أضف إلى ذلك أنه كان من المتابعين والمساهين في الجهود التي بذلت من أجل تأسيس وإقامة مسجد سيد هاشم بهبهاني.

لذا وفور حصولنا على ترخيص إقامة مصلى خاتم الأنبياء (ص) ، بادرت أنا وأخي د. سيد عبدالسميع البهبهاني بالإتصال بسماحته لنعرض عليه في لقاء تم بيننا تولي مسؤولية إمامة الجماعة للمصلى وللمسجد فيما بعد.

في بداية الأمر حاول سماحته الاعتذار بأنه يوجد من هو خير منه، ولكن بعد إلحاحنا وإصرارنا قبل المسؤولية، واتفقنا معه، وكان هذا الاتفاق شفوياً وبمثابة إلتزام أدبي التزم به الجميع للثقة الأخوية التي تربطنا ببعض، وأهم ما تم التفاهم عليه أن يترك له حرية اختيار المنهج الفكري والمواضيع التي يطرحها في المسجد، وهو بطبيعته كان دائم التشاور والحوار معنا ومع الآخرين، وهذا خلق أجواء منسجمة ومتناغمة.

كما أننا اتفقنا على مبدأ أساسي وهو حيادية المسجد في شؤون التقليد واستقلاليته من أي توجه حزبي، ومن جانب آخر اتفقنا مع أبناء المرحوم العم سيد هاشم بهبهاني على هذا المبدأ أيضاً، وقد وثقنا ذلك في حجية وقف المسجد لاحقاً، وعليه أصبح متولي المسجد ملزماً به، وهذا الاهتمام نابع من قناعة بأنه إذا ما أريد للمسجد أن يؤدي دوره العبادي والتبليغي، لابد أن يكون جامعاً وموحداً للمجتمع، بينما يعد التدخل في مثل هذه التفاصيل ذات نتيجة معاكسة، وقد صدر لسماحة الشيخ علي حسن غلوم كتاب تم توزيعه في افتتاح المسجد ويحمل عنوان (رسالة المسجد) .

 

إصدار حجية الوقف

تم إصدار حجية وقف المسجد بتاريخ 16/8/2008م وبموجب هذه الحجية تم وقف المسجد على أنه مسجداً جامعاً يحمل اسم مسجد سيد هاشم بهبهاني، تكون الولاية عليه لجابر سيد خلف البهبهاني، وله الحق في تعيين من يخلفه ممن يراه مناسباً، وهكذا إلى قيام يوم الساعة، وبناء على هذا تكون الولاية من بعده للسيد د. عبدالسميع سيد خلف البهبهاني، وعلى المتولي الحفاظ على حيادية المسجد في شؤون التقليد واستقلاليته من أي توجه حزبي، وللمتولي اتخاذ كافة الاجراءات المناسبة التي تحفظ قدسية المسجد وممتلكاته وجعله مركزا للتبليغ والإرشاد وتربية النشئ وفق مذهب أهل البيت عليهم السلام.

 

صلاة الجمعة

قبل انتهاء أعمال بناء المسجد أبدى سماحة الشيخ علي حسن غلوم رغبته في اقامة صلاة الجمعة المكونة من ركعتان كصلاة الصّبح تماماً، وتتميَّز عنها بأنّ فيها قنوتان: قنوت قبل ركوع الركعة الأولى، وقنوت بعد ركوع الركعة الثّانية، إضافةً إلى خطبتين قبل الصّلاة. علماً بأن إقامة صلاة الجمعة في الكويت كان يقيمها فقط منذ القدم إخواننا البحارنة، ولهذا كانت إقامتها أمراً غير معتاد عليه في عامة الأوساط الإسلامية الشيعية في الكويت، وبعد تدارس هذا الأمر مع سماحته اتفقنا على ضرورة البدء بحملة توعية لبيان أهمية هذه الصلاة وعظم أجرها وشرح أحكامها الشرعية.

وهكذا كان، فقد أصدر سماحته كتاباً بعنوان (صلاة الجمعة.. فضلها ـ تاريخها ـ أحكامها)  تضمن استفتاءات مباشرة بخصوص إقامة صلاة الجمعة في الكويت، وقد تمت إعادة طباعة هذا الكتاب، لما لقيه من إقبال، وكتب مقدمة الطبعة الثانية سماحة الشيخ حسين المعتوق حفظه الله تعالى، كما اجتهد سماحة الشيخ علي حسن غلوم حفظه الله تعالى في عدة من خطب أيام الجمع في شرح أحكام  صلاة الجمعة وذلك بعد الانتقال للصلاة من المصلى إلى المسجد بعد أن تم الانتهاء من بنائه وتجهيزه، وقد أقيمت أول صلاة جمعة في مسجد سيد هاشم بهبهاني يوم 5 من شهر رمضان المبارك 1429هـ الموافق 5/9/2008م.

 

حفل الافتتاح

بمناسبة مولد الصادقين نبينا الأكرم (ص) والإمام جعفر الصادق (ع) أقيم حفل افتتاح المسجد، وكان ذلك في مساء يوم الثلاثاء الموافق 17/3/2009م، وكان حفلاً جماهيريا حاشداً حضره جمع من العلماء الأفاضل وضيوف ملتقى الوقف الجعفري في حينه، وكذلك حضور مميز من الشخصيات العامة وجمع غفير من المؤمنين والمؤمنات من أهالي المنطقة وخارجها، وقد سبق الاحتفال توجيه دعوات خاصة وعن طريق الهاتف ودعوات منشورة بالصحف الكويتية، وقد حظي الاحتفال بتغطية إعلامية بالصحف وبعض القنوات الفضائية.

وقد تضمن برنامج الاحتفال :

ـ القرآن الكريم/ الحاج عبدالله أبل

ـ كلمة/ سماحة الشيخ علي حسن غلوم

ـ كلمة/ جابر سيد خلف بهبهاني

ـ شعر/ الأستاذ علي العطار

ـ مدائح/ المنشد يوسف الحجيرات

- كلمة/ المهندس هاشم الوزان

ـ العريف/ السيد مصطفى البهبهاني

 

مكتبة المسجد

كان الحاج عبدالحميد التتان رحمه الله تعالى شغوفاً بقراءة الكتب واقتنائها، وكان حريصاً على متابعة الإصدارات الحديثة، فمنذ بداية الستينات إلى حين وفاته في أكتوبر 2005م، دفعه هذا الشغف للترحال إلى المدن العلمية والثقافية كالنجف الأشرف وكربلاء المقدسة وقم المقدسة ودمشق والتجول بين مكتباتها للحصول على مبتغاه من الكتب، باذلاً في ذلك الكثير من الجهد والوقت والمال، وكثيراً ما كان يسترشد بتوجيهات عميد المنبر الحسيني د. الشيخ احمد الوائلي رحمه الله تعالى حول الجديد من الكتب وقديمها، ويحاوره فيما يقرأ منها ويبدي ملاحظاته عليها، وكان حصيلة هذا الجهد اقتناء مكتبة تحتوي على أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة كتاب أغلبها من الكتب المرجعية والموسوعية، وقد توافد على هذه المكتبة العديد من العلماء والمثقفين إما للإستعارة أو للقراءة والإطلاع، مبدين إعجابهم بملاحظات المرحوم الحاج عبدالحميد التتان على الكتب والمقارنة بينها.

وفي يناير 2009م أهدى ورثة المرحوم التتان هذه الكتب لمسجد سيد هاشم بهبهاني آملين أن تكون صدقة جارية لروح والدهم رحمه الله تعالى، و نسأل الله تعالى له ولهم القبول، وقد تم إنشاء مكتبة المسجد وتم تصنيف الكتب حسب الموضوعات.

 

خلاصة القول

لم أكتب ما تقدم لأجل التباهي، لأنه من مبطلات العمل، والله تعالى أسال أن يعيذنا وإياكم منها وإنما كتبتها أولاً بناء على طلب من أخي سيد رضا الطبطبائي الذي يقوم بتوثيق النشاط الإسلامي في الكويت على مدى ما يقارب الخمسين عاماً الماضية تقريباً، والتي تخللها الكثير من الإبداعات في المجال التربوي والتبليغي، ويعاونه في ذلك الشاب المؤمن المجد مهدي عمار كاظم وفقهما الله لما يحب ويرضى، ويشتكي السيد رضا مر الشكوى من بطئ تجاوب بعض المساهمين في هذا النشاط أو ممن عايشوه بتزويده سواء بالصور أو من خلال المشاركة بكتابة ما تختزنه ذاكرتهم من أحداث وتجارب في هذا المجال، والجدير بالذكر أن عدد زوار مواقع شبكة البشائر الإسلامية تجاوز آلاف الزوار.

هذا أولاً، وأما ثانياً ليكون عبرة في توارث مسؤولية إعمار بيوت الله تعالى التي تحملها الأجداد والآباء وتحدوا الصعاب وقدموا التضحيات وأورثوها لنا، ونحن بدورنا علينا أن نواصل ما استلمناه لنورثه للجيل الذي يلينا لنكون من جيل (إِنَّمَا يَعْمُر مَسَاجِد اللَّه مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر وَأَقَامَ الصَّلَاة وَآتَى الزَّكَاة وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّه فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ) ، لا من جيل (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) .

وكذلك ليكون نموذجاً من نماذج العمل الجماعي الذي تحث عليه الآية الكريمة ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ففي مجال الدعوة والتبليغ لا يكون فعالاً إلا العمل الجماعي، وقد اتضح مما سبق كيف تم إنجاز هذا المشروع من خلال العمل الجماعي، ولولا ذلك لكان مصيره مختلفاً تماماً.

 



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: