مؤسسة الأبرار الخيرية في لندن

سيد جابر بهبهاني - 08/03/2020م - 2:41 م

من المعروف عن العم الحاج حمزة عباس مقامس حفظه الله تعالى أنه من الشخصيات المتدينة والمعهود عنها الالتزام منذ بدايات الشباب، ويشهد له بذلك كل من تعامل أو سافر معه إلى الدول الأوربية منذ بداية الخمسينات من القرن الماضي حينما كان يسافر إليها للاتفاق مع شركات المواد الغذائية للإتجار بها في الكويت، وعرفه شباب جامع النقي في الكويت بالخلق الراقي وتواضعه، وقد كان هو من أول الداعمين للنشاط الشبابي الذي انطلق من جامع النقي عند افتتاحه عام 1967م، وأتذكر أنه هو من أرشدنا ونصحنا أنا وإخوتي للصلاة في جامع النقي عند افتتاحه للاستفادة من الدروس والمحاضرات التي كان يلقيها سماحة الشيخ علي الكوراني حفظه الله تعالى، ومن الطبيعي أن تكون مثل هذه الشخصية محبة للخير وعمله، ومن الأعمال الخيرية المتعددة التي سعى العم حمزة مقامس لإنجازها وتأسيسها هي جمعية الأبرار الخيرية في لندن.


من المعروف عن العم الحاج حمزة عباس مقامس حفظه الله تعالى أنه من الشخصيات المتدينة والمعهود عنها الالتزام منذ بدايات الشباب، ويشهد له بذلك كل من تعامل أو سافر معه إلى الدول الأوربية منذ بداية الخمسينات من القرن الماضي حينما كان يسافر إليها للاتفاق مع شركات المواد الغذائية للإتجار بها في الكويت، وعرفه شباب جامع النقي في الكويت بالخلق الراقي وتواضعه، وقد كان هو من أول الداعمين للنشاط الشبابي الذي انطلق من جامع النقي عند افتتاحه عام 1967م، وأتذكر أنه هو من أرشدنا ونصحنا أنا وإخوتي للصلاة في جامع النقي عند افتتاحه للاستفادة من الدروس والمحاضرات التي كان يلقيها سماحة الشيخ علي الكوراني حفظه الله تعالى، ومن  الطبيعي أن تكون مثل هذه الشخصية محبة للخير وعمله.

من الأعمال الخيرية المتعددة التي سعى العم حمزة مقامس لإنجازها وتأسيسها هي مؤسسة الأبرار الخيرية في لندن.

يقول العم حمزة في هذا الشأن أنه في صيف عام 1975م حيث كان يقضي اجازته الصيفية في لندن التقى بالأخوين سيد محمد وسيد مصطفى سيد أحمد سيد عابد الموسوي وكانا في ذلك الوقت يدرسان الطب، وكان العم حمزة على معرفة مسبقة بهما من خلال حضورهم في جامع النقي في الكويت .

يقول العم حمزة دعاني الأخوين الموسوي لزيارتهما في الشقة التي كانا يسكنان فيها مساء الأحد لأن الشقة في هذه الليلة تتحول إلى مركز يجتمع فيه الشباب المتدين وأغلبهم طلبة من دول الخليج والعراق لإقامة بعض الشعائر الدينية مثل صلاة الجماعة وقراءة بعض الأدعية المأثورة عن أهل البيت (ع) ، وكذلك إلقاء بعض الدروس والمحاضرات، وللتعارف فيما بينهم وتقديم المساعدة لمن يحتاج إليها خصوصاً الطلبة المستجدين، وكانوا يعملون تحت مسمى "رابطة الشباب المسلم" التي تأسست في العام 1967م من أجل لم شمل الطلبة المسلمين في بريطانيا.

وبالفعل استجبت للدعوة - والكلام هنا للعم حمزة - وذهبت في الليلة المحددة إلى شقة الإخوان للتعرف على الشباب وعلى الأنشطة التي يقومون بها، فوجدت هناك مجموعة من الذين كان لديهم اهتمام ديني وحماس للعمل على نشره، وكان من ضمن هؤلاء الشباب بالإضافة إلى الأخوين الموسوي، د. ناصر صرخوه ود. سعيد الشهابي، ومن محاسن الصدف لقائي عندهم بالسيدين مرتضى العسكري ومهدي سيد محسن الحكيم اللذين كانا في ضيافة الشباب (علماً بأن للعم حمزة علاقة ود واحترام سابقة مع السيدين العسكري والحكيم رحمهما الله تعالى) .

 وتم أثناء الحديث فيما بينهم مناقشة موضوع شراء مبنى ليكون مركزاً لهؤلاء الشباب، وذلك لأن وجود هذا المركز سوف يجمع الشباب ويحفظ دينهم، وقد قال السيد العسكري رحمه الله تعالى في هذا الشأن موجهاً كلامه إلى العم حمزة "إن شراء مركز لهؤلاء أفضل من بناء خمسة مساجد" هذا أولاً، وأما ثانياً لأن جيران الشقة بدأوا ينزعجون من كثرة التردد عليها.

ولما سأل العم حمزة الشباب إن كانوا قد تحدثوا مع أحد من قبله عن هذا الموضوع (شراء مركز للشباب) أجابوه بالإيجاب، وأنه سبق وتحدثوا مع العديد من الشخصيات، وتلقوا الوعود ولكن بمجرد أن يعود هؤلاء إلى الكويت ينسون الموضوع، فقال للشباب "توكلوا على الله وابحثوا عن مبنى يصلح لهذا المشروع قبل أن أعود للكويت لأني مسافر بعد أسبوع" ، وبعد أن جد الشباب في البحث حصلوا على مبنى بقيمة سبعين ألف جنيه استرليني، دفع العم حمزة 10% من قيمته، وبعد إنهاء اجراءات التسجيل أكمل سداد بقية المبلغ .

كان المبنى يقع في منطقة راقية اسمها "تشيلسي" بالقرب من محطة "سلون سكوير" ، وكان مكوناً من خمسة طوابق من ضمنها سرداب، وكان المقترح أن يسجل المبنى باسم العم حمزة ولكنه رفض ذلك واقترح أن يسجل باسم مؤسسة أهل البيت (ع) ، وهذا ما كان، وبعد فترة تم تغيير الاسم إلى مؤسسة الأبرار الخيرية لئلا يقع الخلط بينها وبين مؤسسة أخرى تأسست لاحقاً باسم مقارب، وقد سجلت وفق القانون الانجليزي من ضمن المؤسسات الخيرية (المؤسسات غير الربحية) المعفية عن الضرائب، وبناء على هذا القانون تم تشكيل هيئة أمناء لإدارة هذه الجمعية وهم (العم حمزة مقامس ـ الحاج عبدالحسين بهمن ـ السيدان محمد ومصطفى سيد أحمد سيد عابد الموسوي ـ د ناصر صرخوه) والتزم العم حمزة بسداد المصروفات الشهرية للمبنى (الكهرباء والماء والصيانة وغيرها) .

انطلق الشباب بكل حماس لممارسة النشاط بالمركز الجديد الذي ذاع صيته، واستقبل العديد من العلماء والشخصيات سواء كضيوف أو لإلقاء المحاضرات والندوات الأسبوعية أو المؤتمرات السنوية، من بينهم الشيخ د. أحمد الوائلي والشيخ محمد مهدي الآصفي والسيد مرتضى العسكري والسيد محمد حسين فضل الله رحمهم الله تعالى جميعاً، وأصبح المركز كذلك مقراً يستقبل الطلبة الجدد ليقيموا فيه فترة بعد وصولهم بريطانيا حتى يتدبروا شؤون اقامتهم ومعيشتهم.

وأنا شخصياً عندما ذهبت لبريطانيا للدراسة عام 1979م وأقمت فيها لمدة عام كنت أتردد على هذا المركز مساء كل سبت، وعادة ما ينظم نشاط ثقافي في هذه الأمسية بالإضافة إلى صلاة الجماعة، وقد اصطحبني العم حمزة إليه أول قدومي إلى لندن.

استمر النشاط في هذا المبنى طوال خمس سنوات، وأخذ يزدحم بالمرتادين حتى ضاق بهم، وبناء على هذا اقترح العم الحاج كاظم عبدالحسين رحمه الله تعالى على العم الحاج حمزة مقامس في عام 1980م شراء مبنى أكبر ليستوعب الأعداد المتزايدة من المرتادين، وتم الحصول على مبنى كان نادي للضباط ملك مهدي حبيب واخوانه عبدالصمد وعبدالعزيز رحمهم الله جميعاً، وتم الاتفاق معهم على بيع المبنى لمؤسسة الأبرار بنفس قيمة الشراء، وهو ستمائة ألف جنيه استرليني، واعتبار فارق السعر عن قيمته السوقية تبرعاً من مهدي حبيب واخوانه، على أن يسدد هذا المبلغ على دفعات (حسب التبرعات التي يحصلون عليها) .

تم تسديد قيمة بيع المبنى الأول مائة وثمانون ألف جنيه استرليني كدفعة أولى للمبنى الجديد، وأكمل سداد باقي المبلغ فيما بعد على دفعات من مساهمات أهل الخير، وكان لثقتهم بالعم حمزة الأثر الفعال في المساهمة في هذا المشروع من بينهم يعقوب بهبهاني وعبدالحسين بهمن وعيسى اليوسفي ومحمد علي نقي ويعقوب مال الله رحم الله المتوفين منهم وحفظ الباقين.

والمبنى الجديد يقع في "بيكر ستريت" ويطل على حديقة "دورست سكوير" وهي لا تزال مسجلة باسم مؤسسة الأبرار، وهي ملكية معنوية أي ليس للجمعية سلطة عليها أو التصرف بها، والحديقة تحت إدارة هيئة تسمى "Dorset Square Trust" هي التي تجمع الرسوم من كل المباني المطلة على الحديقة وتوفر مفتاحاً لسكان المباني ليتمكنوا من دخلوها متى ما شاءوا.

يتكون المبنى من ثلاث مبان رئيسية مدمجة معاً مطلة على الحديقة المذكورة، ومبنيين في الخلف يقعان على شارع فرعي، المبنى الرئيسي خصص كمقر للمؤسسة ويحتوي على أكثر من 50 غرفة مع صالات في الدور الأرضي والميزانين للمحاضرات والندوات، بالإضافة إلى سرداب كبير استغل كمطبخ للمناسبات، وخصصت شقة في المبنى لإقامة العالم الديني للمركز وهو السيد حسين بركة الشامي حفظه الله تعالى، وكذلك خصصت بعض الغرف منه لإقامة بعض الطلبة مقابل إيجار رمزي قدره 30 جنيه شهرياً واعفاء من لا تسمح له ظروفه بدفع هذا الإيجار الرمزي.

وكان هذا المبنى يحتوي على صالة تراثية كرم فيها رئيس وزراء بريطانيا ضباطاً بريطانيون شاركوا في الحرب العالمية الثانية، وقد أمرت بلدية لندن بوجوب المحافظة على الصالة كما هي، ويمنع استخدامها أو اجراء أي تعديل أو تغيير عليها، أما المبنى الصغير فإنه يحتوي على شقق تم ايجارها وخصصت قيمة الإيجار للمصروفات الشهرية للمؤسسة.

وقد زرت هذا المبنى عام 1983م على ما أتذكر برفقة السيد محمد حسين فضل الله رحمه الله تعالى حيث كان مدعواً للمؤتمر السنوي لرابطة الشباب المسلم، وقد كنا قادمين من الولايات المتحدة بعد انتهاء المؤتمر السنوي للجماعة الاسلامية حيث كان مدعواً هناك أيضاً.

ويحكي العم حمزة أنه في أواسط الثمانينات من القرن الماضي قدمت عائلة عراقية إلى لندن بغرض علاج رب الأسرة من اصابة نتيجة حادث، وتوسط لهم أحد الأخوة المؤمنين للسكن في احدى شقق المبنى بدون ايجار لأن حالتهم المادية لا تمكنهم من ذلك، فسمح لهم بذلك وخصص لهم شقة، وكان للأسرة ولدان وبنتان كانوا يحضرون دروس السيد حسين الشامي التي تعقد في المؤسسة وارتبطوا به بعلاقة ود وتقدير، وكانت نتيجة ذلك أنهم أصبحوا من الشباب المتدينين، وبعدها بسنوات زارت أم الأسرة العم حمزة مقامس وقالت له "أنا أتيت فقط لأقدم لك الشكر والدعاء لأن الاقامة في مبنى المؤسسة كانت السبب في تدين ابنائي" . 

استمر النشاط في هذا المبنى ما يقارب ثمان سنوات إلى أن شب حريق في طابقين منه ولم يعد صالحاً لاستمرار النشاط  فيه، وتم اخلائه بأمر من بلدية لندن وبقى المبنى خال لمدة عام أو أكثر، وخلال هذه الفترة تكرر الطلب من بلدية لندن بضرورة ترميم وصيانة ما خلفه الحريق من تلف ودمار، وبناء على العروض التي تقدمت بها شركات المقاولات كان أقل الأسعار مليون ونصف مليون جنيه استرليني، فتم تأجيل أعمال الترميم والصيانة لارتفاع التكلفة.

وعند وقوع الغزو العراقي لدولة الكويت استغل الطابق الأرضي منه كمركز لتجمع الكويتيين (ديوانية) وذلك بناء على طلب مجموعة من الشخصيات الكويتية منهم عبدالمطلب الكاظمي وعلي غلوم غضنفري ومصطفى الصراف، كان نشاط هذه المجموعة القيام بالدور الإعلامي لدعم تحرير الكويت وكمركز لقاء للكويتيين لغرض التعارف وتداول الأخبار، وخصوصاً من هم داخل الكويت، وتقديم يد العون والمساعدة للكويتيين ممن فرضت عليهم ظروف احتلال الكويت الإقامة في بريطانيا، وقد نال هذا المركز اعجاب الآخرين فمن حيث الموقع فهو يقع في وسط لندن، ومن حيث الحجم فهو يحتوي على عدة صالات، والميزة الأخرى أنه مبنى مستقل لا يسبب ازعاجاً لجيرانه بسبب كثرة الارتياد.

ونظراً لتعطل النشاط لفترة طويلة تمت دراسة المقارنة بين ترميم وصيانة المبنى أو بيعه وشراء مبنى آخر، وتوصل أعضاء هيئة الأمناء إلى قرار بيع المبنى وشراء مبنى آخر، وعليه تم بيع مبنى دروست سكوير (المبان الثلاث الأساسية) بمبلغ أربعة ملايين جنيه استرليني وشراء مبنى آخر في ايجور رود (وهو شارع تجاري وسياحي معروف) بمبلغ ثلاثة ملايين ومائة وخمسون ألف جنيه إسترليني، وكان هذا في ديسمبر 2002م، وتم ترميم وصيانة المبنى الجديد بمبلغ مائتي ألف جنيه استرليني، وأودع بقية مبلغ البيع كرصيد في الحساب البنكي لمؤسسة الأبرار الخيرية.

تم الانتقال إلى مبنى ايجور روود وبدأ النشاط  فيه في فبراير 2003م، وهو مكون من خمس طوابق تم ايجار دورين منه لسفارتين لدولتين تقعان في البحر الكاريبي، وخصص إيجار الطابقين لمصاريف وأنشطة المؤسسة، وخصص دور كمدرسة للغة العربية وتدريس القرآن الكريم للطلبة من أبناء الجاليات الإسلامية للمرحلة العمرية ما فوق عشر سنوات، ويبلغ عددهم حالياً مائة طالب، وجعل بقية المبنى لأنشطة المؤسسة المختلفة، وإمام الجماعة الحالي في الجمعية الشيخ حسن التريكي حفظه الله تعالى.

وبسبب الوفاة أو الاستقالة  فقد تعاقب على عضوية هيئة الأمناء العديد من الشخصيات رحم الله المتوفين منهم وحفظ الباقين، وتتكون هيئة الأمناء الحالية من (الحاج حمزة مقامس ـ د.سيد مصطفى الموسوي ـ د.عادل اليوسفي ـ د. سيد عبدالسميع البهبهاني ـ د. فاضل صفر ـ د. سعيد الشهابي) وفقهم الله تعالى لكل خير .

إن مؤسسة الأبرار تنامت خلال الأربعين عاماً الماضية وتضاعفت أضعاف كثيرة ببركة من الله سبحانه وتعالى وبإخلاص وعزم العاملين عليها، فمن مبنى في ضاحية سكنية يصرف عليه من العم حمزة مقامس إلى مبنى في شارع تجاري تمارس فيه أنشطة التبليغ والوعظ والارشاد التي تتم بكل عزم وهمة، ويقصده المسلمون والمسيحيون للحوار والتعاون، كل ذلك بتمويل ذاتي وذلك من الإيجارات التي تمت ذكرها فيما تقدم، وهذا أحد مصاديق الآية الكريمة (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) .