سماحة السيد جواد الحسيني آل علي الشاهرودي

سيد جابر بهبهاني - 08/01/2020م - 4:49 م

لا زلت أتذكر المجلس (رغم مرور أكثر من ربع قرن عليه) الذي تحدث فيه و بأسلوب مؤثر عن استشهاد أسد الله ورسوله حمزة بن عبدالمطلب رضوان الله تعالى عليه وردة فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما أتت عمته صفية بنت عبدالمطلب لرؤية أخيها بعد قتله والتمثيل بجسده الطاهر، وبناء على هذا المجلس وتكريماً لأسد الله ورسوله نذرت بأن إذا رزقني الباري عز وجل ولداً أسميه حمزة وهذا ما كان والحمد لله رب العالين.


من المجالس الحسينية التي يرتاح فيها القلب وتطمئن لها النفس هو مجلس آية الله السيد جواد نجل العلامة آية الله السيد حسين الحسيني آل علي الشاهرودي رحمهما الله تعالى في منطقة الدعية ـ الكويت، وهو مجلس أسبوعي يقام مساء كل يوم جمعة، والمكان عبارة عن ديوان لا يتجاوز مساحته أكثر من 100م2 بسيط في مكوناته من حيث الديكور والأثاث، في احدى جوانبه توجد مكتبة تضم كتب تفاسير القرآن الكريم والأصول والفقه وكتب متنوعة أخرى، كما يوجد منبراً خشبياً يستخدم في إلقاء بعض المحاضرات الفقهية وكذلك للقراءات الحسينية.

يستقبل سماحة السيد المؤمنين في هذا الديوان طوال أيام الأسبوع بعد صلاة العشاء للإجابة على مسائلهم الشرعية مغلفة بموعظة للسائل، لكن المجلس الحسيني يقام فقط مساء يوم الجمعة، وقد أقيم الديوان في بيت سكناه الذي اشتراه بعض أهل الخير رحمهم الله تعالى ليقيم فيه عندما قدم الكويت في عام 1974 م.

وكما يقال "المكان بالمكين" وقد سمعت هذه المقولة منه رحمه الله تعالى ويقصد منها أن صاحب المكان هو الذي يجلب الخير والبركة للمكان وليس العكس، وهذا ما ينطبق على مجلسه المبارك، فصاحبه جلب الخير والبركة للمجلس، والسيد رحمه الله تعالى من مواليد النجف الأشرف عام 1929م، تدرج في الدراسات الحوزوية في النجف الأشرف وتتلمذ فيها على يد أكابر العلماء، منهم والده قدس سره، حضر البحث الخارج عند آيات الله العظام المراجع السيد محمود الشاهرودي والسيد الخوئي والميرزا الزنجاني قدس سرهم.

نال درجة الاجتهاد من السيد الشاهرودي والزنجاني والسبزواري قدس سرهم، وهو صهر المرجع الكبير السيد محمود الشاهرودي المتوفي في النجف الأشرف عام 1972م ، وكذلك هو من وكلاء المرجع السيد الخوئي قدس سره في الكويت، تتميز شخصيته بالتقوى والتواضع وبساطة المعشر دون تكلف وبالفطرة السليمة، مع حرصه الشديد على أن يكون نافعاً للدين والناس.

لا يقدم في مجلسه إلا الشاي والقهوة مع أوان صغيرة متفرقة بالديوان فيها بعض الحلويات البسيطة جداً وما شابه (كالتين الأبيض المجفف والبرميت) ، وأذكر في احدى هذه الجلسات أنني شربت الشاي وبقي في قعر الاستكانة قدر قليل منه  قال لي اشرب الباقي حتى لا يكون في البين اسراف، وكان في الكثير من المرات هو من يعطي الدرس بدل الخطيب الحسيني.

ولا زلت أتذكر المجلس (رغم مرور أكثر من ربع قرن عليه) الذي تحدث فيه و بأسلوب مؤثر عن استشهاد أسد الله ورسوله حمزة بن عبدالمطلب رضوان الله تعالى عليه وردة فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما أتت عمته صفية بنت عبدالمطلب لرؤية أخيها بعد قتله والتمثيل بجسده الطاهر، وبناء على هذا المجلس وتكريماً لأسد الله ورسوله نذرت بأن إذا رزقني الباري عز وجل ولداً أسميه حمزة وهذا ما كان والحمد لله رب العالين.

في البداية كان يقيم صلاة الجماعة في ديوانه، ولكن في وسط الثمانينات وبناء على طلب من أولاد المرحوم حسين بن نخي استمر في اقامة صلاة الجماعة في مسجد الامام الحسين عليه السلام (بن نخي) في منطقة الشرق خلف مجمع دسمان، والمسجد صغير الحجم قديم البناء متواضع في مكوناته، وكان ينعكس هذا التواضع في الجو المغبر أو الممطر، فعند الغبار تكاد تكون كثافة الغبار داخل المسجد أكثر من خارجه، أما عند المطر تتسرب المياه من سقف المسجد إلى داخله فكنا ننتقل من مكان لآخر في المسجد علنا نجد قطعة لم تمسها الرطوبة تتسع لإقامة صلاة الجماعة رغم قلة عدد المصلين .

وقد استملكت الدولة (تثمين) هذا المسجد وخصصت عوضاً عنه أرضاً لبناء مسجداً عليه في منطقة صباح السالم مع مبلغ من المال، وقد قام أولاد المرحوم حسين بن نخي ببناء المسجد بإسم أبوالفضل العباس عليه السلام، وتم بعد ذلك إزالة المسجد الكائن في منطقة الشرق، ونسأل الله تعالى قبول الأعمال للمرحوم حسين بن نخي وأولاده وأن يجعل هذا العمل من الباقيات الصالحات في ميزان أعمالهم.

وفي أيام شهر محرم الحرام كان يقام في المسجد مجلس حسيني بعد صلاة العشاء، وقد أحيا هذه المجالس في سنوات عديدة المرحوم الشيخ مناقبي وهو خطيب مفوه بارع، وكان يحاضر باللغة الفارسية، وهو صهر العلامة الطباطبائي قدس سره صاحب تفسير الميزان، وعادة ما يقدم بعد المجلس في ليلة العاشر من محرم وجبة البركة.. وجبة المستضعفين على مائدة سيد الشهداء عليه السلام والشهداء من أهل بيته وصحبه.

وكان السيد رحمه الله تعالى يشرح بعض المسائل الشرعية بعد صلاة العشاء، وفي عدة سنوات وبناء على طلب من حملة التوحيد كان في شهري شوال وذي القعدة يشرح مناسك الحج لحجاج الحملة في هذا المسجد، واستمر في الدرس رغم الحضور القليل على خلاف بعض العلماء الذين ينقطعون عن الدرس إذا ما رأوا أن الحضور قليل .

وفي أول عام ابتدأ دروسه حول أحكام الاستطاعة للحج، فاستغرق فيه طويلاً  فقلنا له سيدنا لم يبق الكثير على موعد السفر للحج، ونحن لا زلنا في أحكام الاستطاعة، قال كلما أنوي الانتهاء من الاستطاعة تظهر مسألة مهمة لابد من شرحها، وفي احد الدروس وهو يشرح حكم الذهاب للحج متسكعاً (أي يتنقل من مدينة إلى مدينة ماشياً حتى يصل مكة المكرمة) تذكّر أيام المسيرة الأربعينية من النجف الأشرف إلى كربلاء المقدسة في الستينات من القرن الماضي وقال كنا نقطع هذه المسافة بياده على حسب تعبيره (أي ماشياً على الأقدام) برفقة المرجع الكبير الشاهرودي رحمه الله تعالى، وأخذ يتحدث بحسرة عن تلك الأيام بالشوق والتمني بتجددها وعودتها.

ومن المعروف عن السيد رحمه الله تعالى دقته في شرح وبيان المسائل الفقهية وتطبيقاتها، وفي ذلك يقول أخونا العزيز سيد رضا الطبطبائي وهو من الذين كانوا يحرصون على حضور دروس الفقه للسيد رحمه الله تعالى أنه في احدى المرات شرح مسألة جواز الإحرام من جدة على رأي السيد الخوئي قدس سره، وقد طلب منا نشر هذه المسألة للتيسير على الحجاج القادمون للحج عن طريق مطار جدة، ولكن بعد سفرنا للحج تبين للسيد أن هذه المسألة كانت على رأي السيد السبزواري قدس سره فما كان منه إلا بادر بالاتصال فيني للتنبيه على هذه المسألة، وقد كنت في ذلك العام من لجان حملة الإيمان (حملة حبيب المهنا) ، وقد كرر الاتصال عدة مرات ولم نتمكن من التحادث معه، فما  كان منه إلا أن اتصل بحملة أخرى ليخبروني على هذا التنبيه .

وكذلك يروي سيد رضا الطبطبائي أنه في احدى المرات دخل على السيد فوجده مهموماً فبادره بالسؤال عن السبب، فأجابه السيد أن أحد المؤمنين طلب منه أن يجري الطلاق بينه وبين زوجته، فلم يحبذ السيد ذلك لأنه كان شديد الاحتياط والحساسية في اجراءات الطلاق، ولكن بعد الاصرار والإلحاح ولأكثر من مرة أجرى اتصال بمكتب السيد الخوئي قدس سره لإجراء هذا الطلاق عندما يتوافر لديهم الشهود العدول من العلماء، طبعاً بعد أن أخذ موافقة هذا المؤمن بأن هذا الإجراء في العادة يستغرق وقتاً طويلاً، وبالفعل بعد مدة ليست بالقصيرة جاء الخبر بأن هذا الطلاق قد تم، فبادر بإبلاغ صاحب العلاقة بذلك ولكنه أجابه بأنه لا داعي لذلك لأني رجعت عن الطلاق .

له عدة مؤلفات (الإمام المهدي "عج" وظهوره ـ الإنسان في مراحله الست ـ شخصية المسلم ـ آداب الحرمين ـ تكملة آداب الحرمين ـ المراقبات ـ صحيفة المتهجد) ولكن الذي اشتهر به كتاب "آداب الحرمين" يبين أعمال ومستحبات مناسك الحج وزيارة قبور النبي وآله صلوات الله تعالى عليهم أجمعين في المدينة المنورة مع بعض الأدعية، وقد وفقه الله تعالى في هذا الكتاب فلقد بلغت شهرته وخصوصاً بين الحجاج شهرة كتاب "مفاتيح الجنان" ، ليس في الكويت فقط بل حتى في الديار المقدسة، كان المؤمنين في المدينة المنورة يطلبونه (كويتيين وغير كويتيين) ، وبعد عدة سنوات من اصداره ألحق به السيد "تكملة آداب الحرمين" يتضمن بعض الأدعية المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام.

أول ألف نسخة طبعت في الكويت عام 1982م على روح المرحوم كفاح سيد حسين بهبهاني، وقد تم توزيعها على حجاج حملة التوحيد ليأخذوها معهم للمدينة المنورة، والبقية تم توزيعها عن طريق السيد رحمه الله تعالى، ولما رأت الحملة الاقبال الشديد على الكتاب أوصت حجاجها بعدم اعادته معهم للكويت ليتم توزيعها على من يريد هناك، وهكذا كان في الأعوام التي تلتها.

وفي احدى السنوات عزم السيد على طباعة ألفين نسخة في لبنان، فأخبرته بان حملة التوحيد تريد منها 500 نسخة لتوزيعها على حجاج الحملة مع دفع تكلفتها، وكان من المفترض أن ترسل النسخ الخاصة بالحملة على صندوق البريد الخاص بالشركة التي أعمل بها (شركة صناعة الكيماويات البترولية) والنسخ الأخرى ترسل على صندوق البريد الخاص بالسيد.

ولكن المطبعة في لبنان عكست الأمر فأرسلت 1500 نسخة لي على دفعات و 500 نسخة على بريد السيد، واستمر الأمر معي أكثر من شهر ونصف الشهر على هذا المنوال أذهب إلى بريد الصفاة لأستلم الكتب وأسلمها للسيد، وفي كل مرة أطلب من السيد أن يخبر المطبعة لتصحيح هذا الأمر والسيد يخبرهم لكن (عمك أصمخ) ، والدفعة الأولى التي وصلت للشركة ملأت مكتب البريد في المكتب الرئيسي للشركة وصارت مثار الحديث والسؤال، فطلبت من موظف البريد في المرات القادمة أن يسلمني وصل البريد لأستلمها شخصياً من بريد الصفاة، ونسأل الله تعالى قبول الأعمال .

في احدى السنوات قرر السيد طباعة كتاب الرسالة العملية للسيد الخوئي قدس سره "منهاج الصالحين" في الكويت، وبعد أن أجرى الاتصالات مع السيد الخوئي أعطى الموافقة على أن يضيف إلى المنهاج بعض المسائل الجديدة التي سوف يرسلونها له من النجف الأشرف، وبالفعل أضافها السيد بعد أن استلمها، ولكن عندما أراد البدء بالطباعة تم الاتصال من مكتب السيد الخوئي ليوقف الطباعة ليضيف استدراك على بعض المسائل، وهكذا استمرت العملية بين الاستدراك وتصحيح الاستدراك لإضافة مسائل وتعديل أخرى مدة تزيد عن السنة، إلى أن قرر السيد جواد صرف النظر عن الطباعة وتم ابلاغ مكتب السيد الخوئي بذلك .

من الذكريات اللطيفة مع السيد أنه في احدى السنوات سافر للولايات المتحدة للعلاج، وعند عودته قمنا بزيارته للسلام عليه ولنتحمد له بالسلامة، وكان من ضمن الحضور أخونا العزيز محمد تقي العريان (بوذوالفقار) وكانت تربطه بالسيد علاقة وثيقة فبادره بالسؤال عن كيفية الصلاة أثناء تنقله بالطائرة في الذهاب والإياب، وكان هذا السؤال متفق عليه قبل لقاء السيد لأننا كنا نريد أن نعرف كيف تصرف لنستفيد منه في رحلاتنا بالطائرة، فأجاب السيد الحمد لله لم تكن هناك مشكلة لأني صليت جميع الفرائض في وقتها في المدن والمطارات التي كنت اجتازها، فقال له بوذوالفقار "ليش سيدنا بغيناك تصلي بالطائرة علشان نتعلم منك" ، والجدير بالذكر أن السيد أصدر كتيب بعنوان "صلاة المضطر" يشرح فيه الأحكام الشرعية لمن لا تتوافر لديه شروط صحة الوضوء والصلاة .   

ابتلي السيد في السنوات الاخيرة من عمره المبارك بفقد فلذات كبده وهم نجله السيد حسين وصهره العلامة السيد حبيب حسينيان وحفيداه السيد محمد باقر والسيد محمد كاظم حسينيان  الذين تم اعتقالهم أثناء الانتفاضة الشعبانية التي أعقبت تحرير الكويت واستشهادهم فيما بعد رحمهم الله جميعا، وقد تجاوز السيد هذا الاختبار الإلهي بالصبر واحتسابهم عند الله تعالى، فلم يجزع ولم يفقد توازنه بل استمر بحركته في خدمة دين الله وعباده، وعلى الرغم من ترددي عليه سواء لحضور الصلاة أو المجلس فإني لم أعلم عن هذا الابتلاء إلا بعد وفاته بسنوات، فلم أسمعه قط يشتكي أو يتحسر رغم فداحة الفاجعة.

وكما ذكرت في المقدمة حول حرص السيد أن يكون نافعاً للدين والناس، فقد رأيته عدة مرات يجمع الأدوية لإرسالها للمحتاجين، كما أنه سعى لبناء مستشفى للعيون في طهران لتكون صدقة جارية له بعد أن خصصت السلطات في طهران أرضاً لهذا المشروع بمساحة 27000 م2، وبعد اعداد المخططات اللازمة للمستشفى أجرى السيد اتصالاته مع أهل الخير في الكويت للتبرع لبناء وتجهيز المستشفى بالمعدات الطبية والأثاث، قد تم اعداد فيلم فيديو يعرض ويشرح أهداف هذا المستشفى والخدمات التي سيقدمها ومراحل البناء، وكان يتابع متابعة حثيثة مراحل البناء حرصاً منه على اتمام انجاز هذا المستشفى الخيري قبل أن يوافيه الأجل المحتوم وذلك لإبراء ذمته، وكان للحاج محمد تقي العريان دوراً أساسياً في الاتصالات والمتابعة.

لكن وافاه الأجل عام 1997م بلندن وأنجز المشروع فيما بعد، ونقل جثمانه الطاهر إلى طهران ومنها إلى قم المقدسة حيث دفن في حرم السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام، ويقول أحد الأخوة من الذين كانوا دائمي التردد على السيد رحمه الله "إننا بفقده أصبحنا أيتاماً" .

رحم الله تعالى السيد جواد الشاهرودي رحمة واسعة وحشره مع محمد وآل محمد، وجعل ما قام به من أعمال من الباقيات الصالحات في ميزان أعماله.

سماحة السيد جواد الحسيني آل علي الشاهرودي

سماحة السيد محمود الشاهرودي في المدينة المنورة ويظهر سماحة السيد جواد الشاهرودي في أقصى الشمال عام 1386هجرية

سماحة السيد جواد الشاهرودي مع سماحة المرجع السيد محمود الشاهرودي

سماحة السيد جواد الحسيني آل علي الشاهرودي

مستشفى العيون في طهران