فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





الشيخ علي حسن غلوم - 29/07/2016م - 11:16 ص | عدد القراء: 352


ـ عادت قضية موقف الإسلام من الأسرى إلى الواجهة من جديد بعد نشر مقطع فيديو ذبح الصبي في حلب.


ـ وسنجعل المعيار الأساس ما جاء في القرآن الكريم، ومن خلاله نحكم على الأحاديث التي تمسّك بها البعض لتبرير ذبح الأسرى، أو قتلهم، أو حرقهم، أو تقطيع أوصالهم، باسم الشريعة الإسلامية.. أو اتخذها آخرون وسيلة للطعن في الإسلام.

ـ قال تعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) هذا في ساحة المعركة (حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ) أي حتى إذا غلبتموهم ووقع بعضُهم في أسرِكم (فَشُدُّوا الْوَثَاقَ) أي فشدّوهم في الوثاق كيلا يقتلوكم أو يهربوا منكم (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) فإذا أسرتموهم بعد الإثخان, فإما أن تَمُنُّوا عليهم بعد ذلك بإطلاقكم إياهم من الأسر, وتحرروهم بغير عوض ولا فدية، وإما أن يفادوكم فداء عوضاً حتى تطلقوهم, وتُخلوا لهم السبيل (حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) محمد:٤.


ـ نعم، كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ إعمالاً لولايته ـ أن يأمر بإعدام البعض كما حصل في غزوة بدر، لكون هذا البعض ممن ارتكبوا جرائم بحق المسلمين في العهد المكي. إلا أن هذه تمثل حالة استثنائية جداً، وهي بيد الحاكم الشرعي كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام عليه السلام، لا بيد المقاتلين ولا غيرهم، وتبقى القاعدة هي المن أو الفداء


ـ ولكن، لما عمل الأمويون بخلاف ذلك في حروبهم مع غير المسلمين، وفي قمعهم لثورات المسلمين، وأصبحت القاعدة عندهم القتل والتعذيب، ارتفعت الأصوات المنددة، فبادروا إلى تبرير جرائمهم بوسيلتين


ـ الوسيلة الأولى: وهي سهلة جداً، حيث بادرت بعض أبواقهم من علماء البلاط إلى ادعاء نسخ الآية

ـ قال الطبري في تفسيره: (قال بعضهم: هو منسوخ نسخه قوله [فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُم] وقوله [فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ] ) .

ـ وهو ادّعاء باطل، فادّعاء النسخ ـ أولاً ـ لابد أن يقوم عليه دليل قوي وواضح لا شبهة فيه، كي لا يتحول هذا الادعاء إلى ألعوبة بيد من شاء، وهو ما حصل في موارد عديدة وللأسف الشديد، فكلما أريد الالتفاف على آية ادعي نسخُها!


ـ وقد روى الطبري نفسه عن الحسن, قال: (أتى الحجاج بأسارى، فدَفعَ إلى ابن عمر رجلاً يقتله، فقال ابنُ عمر: ليس بهذا أُمِرنا. قال الله عزّ وجل: [حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً] ) .


ـ وثانياً، فإن الآيتين لا علاقة لهما بالموقف من الأسير، بل هما لبيان الموقف المتشدد من المشركين المحاربين المعاندين، وليستا في مورد البيان التفصيلي لحكمهم بعد وقوعهم في الأسر


ـ ولذا قال الطبري: (والصواب من القول عندنا في ذلك أن هذه الآية محكمة غير منسوخة) .


ـ وثالثاً، هذه الآيات عن المشركين، لا المسلمين ولا أهل الكتاب، فلماذا يتم التعميم؟ 



ـ الوسيلة الثانية: اختلاق الأحاديث عن عصر النبوة، ووجدوا غايَتهم في أمثال عطية القُرظي، ومحمد بن كعب القُرظي، اللذان تحوّلا بقدرة قادر إلى مصدرين معتمدَين من مصادر السيرة.


ـ فالأول كان يهودياً من سبي بني قريظة، ولا يُعرف له نسب. استقر في الكوفة لاحقاً وتخصص في تفسير القرآن، وكان يروي عن النبي!

ـ والثاني ابن رجل كان من سبي بني قريظة، ولد سنة 40هـ، سكن الكوفة وغدا متخصصاً بالتفسير والتاريخ، سقط عليه وعلى تلامذته مسجد الربذة سنة 108 في الزلزال فماتوا، متهم في رواياته


ـ وصارا من مصادر خبر ما جرى لبني قريظة بعد اشتراكهم مع الأحزاب في حرب النبي، ثم أسروا بعد محاصرتهم واستسلامهم. ولك أن تتخيل ماذا يمكن ليهوديين أن يقدّما للمسلمين من أخبار ملفقة، وقد امتلأت قلوبُهما أو قلوبُ من رووا لهما من اليهود حقداً وبغياً



ـ وفي المقابل، لدينا نصوص عديدة تؤكد ضرورة حسن معاملة الأسير، مسلماً كان أم غير مسلم، ومنها:


1- قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) [الإنسان:8] فهنا ثناء عظيم لإيثار أسير على النفس والعيال، علماً بأن مورد الآية كان أسيراً غيرَ مسلم.


2- لما أسِرت صفية بنت حيي وامرأة أخرى معها في خيبر، أرسلتا مع بلال إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمر بهما على قتلى اليهود، فلما رأتهم التي مع صفية صرخت وصكَّت وجهَها وحثت التراب على رأسها، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبلال: (أنُزِعَت منك الرحمة يا بلال حيث تمر بامرأتين على قتلى رجالهما؟) .


3- عن الإمام عليّ بن الحسين عليهما السلام: (إذا أخذتَ أسيراً فعجز عن المشي وليس معك مَحمِل فأرسِله ولا تقتله) لأن القاعدة هي المن أو الفداء لا القتل (فإنك لا تدري ما حكم الإمام فيه) .


ـ عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (إطعامُ الأسيرِ حقٌّ على مَن أسره، وإن كان يُراد من الغد قتلُه) أي في أسوأ الحالات كأن يكون مجرماً وعليه القصاص (فإنّه ينبغي أن يُطعَم ويُسقى ويُرفق به، كافراً كان أو غيره) .


ـ إن قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [الأنفال:70] يؤكد على أن الإسلام ينظر إلى الأسرى نظرةً رسالية، ولهذا فإنه يفتَح لهم باب الخير من خلال التفكير بالمستقبل، وليتأملوا في موقفهم السابق، فإن اختاروا الموقف الصحيح بالدخول في الإسلام والانتهاء عن الأعمال العدوانية، فسيؤتيهم الله خيراً مما أخذ منهم من المال، رزقاً وعنايةً، ومغفرةً للذنوب.

وهذا التوجيه الرسالي كان يقابل صوراً وحشية كانت دارجة في أمم ذلك الزمان في طريقة التعامل مع الأسرى، تارة بتقديمهم قرابين للآلهة، وأخرى بممارسة فنون التعذيب فيهم ترفيهاً عن النفس بوضعهم في ساحات مغلقة مع الأسود والنمور لتفترسهم على مشهد من علية القوم وعموم الناس! ذاك هو الإسلام، وأما شِرعة التكفيريين فهي شِرعةُ آلِ أمية والحَجّاج وأضرابِهم ممن ارتكبوا الجرائم ثم عملوا على تحريف كلام الله في تفسيره وتأويله ونسبوا إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يفعله زوراً وبهتاناً ليُلبِّسوا على الناس دينَهم وليشرعنوا جرائمَهم التي سوّدوا بها صفحات التاريخ الإسلامي



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: