فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





الشيخ علي حسن غلوم - 08/07/2016م - 4:31 ص | عدد القراء: 447


(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ، لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ، وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ، وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ، لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) الزخرف:74-78.

ـ لا يخفى أن في القرآن الكريم خطاب زجر وتخويف ووعيد ونار وعذاب، بجانب خطاب الرحمة والمغفرة والعفو والوعد وجنان ونعيم

ـ وقد سئلت ذات مرة: لماذا نجد في القرآن الكريم كل هذا الكم من الحديث عن النار والعذاب وجهنم وما إلى ذلك.. ولاسيما وأننا إذا قارنا مضمون القرآن ـ بهذا اللحاظ ـ بما جاء في الإنجيل، فسنجد أن الإنجيل يركز على المحبة والعفو والتسامح


ـ فهل للأمر علاقة بالطبيعة الصحراوية العنيفة لأهل الجزيرة العربية بحيث أن خطاب القرآن كان لابد وأن يأتي بهذه الصورة ليردع تلك الشخصية العنيفة المتمردة؟ 


ـ بالطبع لو وافقنا هذا القول فستكون له عدة تداعيات، من بينها:


1/ عدم صلاحية القرآن للتنوعات البشرية، فمن هم على شاكلة عرب الجزيرة المعاصرين للنبي محدودون


2/ الحاجة إلى هذا النوع من الآيات سيتقلص كلما ترقّت البشرية وتطورت


3/ الالتزام بظرفية القرآن ككل، أي أن الآيات الأخرى التي لا علاقة لها بالآخرة أيضاً يمكن رفع اليد عنها بتبدل الظروف، كآيات الأحكام مثلاً


ـ المسألة مهمة، ولها تبعات، ولا ينبغي التساهل فيها.. وسنعالج الموضوع من خلال عدة نقاط

 

ـ يمكن تقسيم الحديث حول الإشكال السابق إلى نقاط:


النقطة الأولى:

قال بعض الفلاسفة أن لا وجود حقيقي لنار الآخرة، وأنها من مخترعات الأنبياء لغاية نبيلة، حين أرادوا أن يَحمِلوا الناس على الالتزام بالقيم الأخلاقية وصلاح أحوالهم
ـ ولكننا لا نوافقهم على ذلك، ونعتقد أن كل الأنبياء صادقون، وأن ما في القرآن الكريم من حديث عن نار وعذاب في الآخرة هو حق. قال تعالى: (ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ، وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) يونس: 52-53.


النقطة الثانية:

النار والعذاب في الآخرة ليست للتشفي من قبل الله تعالى، لأن ذلك من خصال الضعفاء وقد قال تعالى: (مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) [النساء:147] وبتعبير الإمام زين العابدين عليه السلام في الصحيفة السجادية: (وقد علمتُ يا إلهي أن ليس في حُكمك ظلم ولا في نقمتك عجلة، وإنما يعجل من يخاف الفوت، وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف، وقد تعاليتَ عن ذلك يا سيدي علواً كبيراً) .
ـ وأما ما ورد في القرآن من نسبة الانتقام إلى الله، فلا يراد به المعنى المنطبق على الإنسان، والمشتمل على الانفعالات النفسية والثأر وما أشبه ذلك، بل يراد منه معنى المجازاة وعقوبة المسيئين على ما ارتكبوه من إساءه، فالله هو الغني المطلق الذي لا ينتقل من حال إلى حال.


النقطة الثالثة:

لا يمكن أن نفهم فلسفة وجود النار والعذاب الأخروي من دون فهم فلسفة وجود الإنسان، وقد قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) المؤمنون:115.


ـ وغاية الخلق لا تعود بالنفع على الغني المطلق وهو الله، بل على المخلوقين أنفسهم... وعليهم أن يحافظوا على فطرتهم السليمة، وأن يُصلحوا أحوالَهم كي يحققوا تلك الغاية غير العبثية

ـ وعندما يتمرّدون على فطرتهم فيسيئون إلى خالقهم وإلى الناس، فسيلاقون العقاب الأخروي.. أي أن الوعيد بالعقاب يساهم في تحقيق غاية خَلقهم، كما أنه نتيجة طبيعية لإساءة المسيء وفق مبدأ العدل


ـ قال علي عليه السلام لمالك الأشتر لما ولاه مصر: (ولا يكونن المحسنُ والمسيءُ عندك بمنزلةٍ سواء فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان وتدرباً لأهل الإساءة على الإساءة) هذا سلوك الإنسان العادل فكيف بالله تعالى؟ 

النقطة الرابعة:

كما أن عقوبة الآخرة جزاء، فكذلك الوعيد والتهديد بها وسيلة ردع. لنتخيل أن المشرِّع في الكويت يضع قوانين تنظيم المرور من دون عقوبات.. كيف ستكون شوارعنا؟ بل لاحظ كيف أن العقوبات عندما تكون مخففة تزداد جرأة مرتادي الطريق على المخالفة بما يهدد حياة الآخرين.. بل لاحظ كيف أن وجود الواسطة لإلغاء المخالفة أو تحويلها إلى المحكمة والتوسط لدى القاضي لإلغاء العقوبات يؤدي إلى المزيد من الجرأة والتهاون. ومن هنا تزيد عندنا المطالبات بتشديد العقوبات.. هذه هي الطبيعة البشرية


النقطة الخامسة:

من قال أن خطاب الإنجيل مجرد خطاب محبة وتسامح؟ 
في إنجيل متى: (وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ... فَإِنْ أَعْثَرَتْكَ يَدُكَ أَوْ رِجْلُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَعْرَجَ أَوْ أَقْطَعَ مِنْ أَنْ تُلْقَى فِي النَّارِ الأَبَدِيَّةِ وَلَكَ يَدَانِ أَوْ رِجْلاَنِ) .


ـ وفيه وصف تفصيلي للآخرة إلى أن يقول: (ثُمَّ يَقُولُ أَيْضًا لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ) .


ـ وفي سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي حديث عن مصير الذين يتولون إبليس: (وَيُعَذَّبُ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ أَمَامَ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ وَأَمَامَ الْخَرُوفِ) رمز عن المسيح حَمل الله هكذا يعبرون عنه (وَيَصْعَدُ دُخَانُ عَذَابِهِمْ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. وَلاَ تَكُونُ رَاحَةٌ نَهَارًا وَلَيْلاً لِلَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِلْوَحْشِ وَلِصُورَتِهِ وَلِكُلِّ مَنْ يَقْبَلُ سِمَةَ اسْمِهِ) .


النقطة السادسة:

لابد أن نأخذ بعين الاعتبار أن الخطاب الديني المسيحي المقدم إلى الناس مبنيّ على عقيدة الفداء، أي أن المسيح صُلب ليحمل ذنوب المؤمنين به. وكل من يؤمن بالمسيح لن يُعذَّب ما دام كذلك، فما الداعي إلى ذكر العذاب والنار في هذا الخطاب؟ وقد خطّأ القرآن هذا المعتقَد إذ قال: (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً) النساء:123-124.

النقطة السابعة:

 جاءت مادة (غفر) باشتقاقاتها في الإنجيل 45 مرة، وفي القرآن باشتقاقاتها في القرآن211 مرة، ومادة (عفو) مرتين في الإنجيل، و33 مرة في القرآن، وهكذا قارن كلمات الصفح والرحمة وغيرهما من المصطلحات والعبارات الدالة على هذا المعنى


ـ وقد لاحظ الزركشي في كتابه (البرهان في علوم القرآن) أن: (مِن أساليب القرآن: حيث ذكر الرحمة والعذاب أن يبدأ بذكر الرحمة. كقوله تعالى: (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) (إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم). وعلى هذا جاء قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكاية عن الله تعالى: (إن رحمتي سبقت غضبي). وقد خرج عن هذه القاعدة مواضع اقتضت الحكمة فيها تقديم ذكر العذاب ترهيباً وزجراً) .

ـ نعم لربما جانب من المشكلة في انطباع تصور شدة الخطاب القرآني في الذهن يعود إلى تعليم الأطفال السور القصار، وهي سور مكية عالجت الشرك والطغيان والاستبداد وظلم اليتامى والعبيد وما إلى ذلك، وبالتالي اشتملت على آيات العذاب بكثرة، وبالتالي فإن الطفل يفتح عينيه على القرآن من خلال هذه السور وهذه الصور، وهو أمر ذو بعد تربوي يحتاج إلى انتباه ومعالجة.


ـ إن الله تعالى الذي أنزل القرآن هدى للناس أعلم بما يُصلح النفسَ البشرية المهددة بأن تطغى وتستكبر وتُفسد وتَفْجُر، وتتعدّى على حقوق الضعفاء، وتقتل الأبرياء، وتدمّر مكامن الخير في الحياة وفي النفس البشرية، سواء أكان ذلك بلباس وغطاء ديني أم دنيوي.. بل إن النفس البشرية القابلة أن تتحوَّل إلى مِسخٍ لا يتحرج من أن يقتل ثمانين ألف إنسان بقنبلة ذرية واحدة، وبدافع استكباري، ويُقدِم على ذلك، سواء بإصدار الأوامر أو بالتنفيذ أو بالتبرير.. أو أن تتحوّل هذه النفس إلى مِسخٍ لا يتحرّج من أن يقتل عشرات الآلاف من الأبرياء ويشويهم ويحوّلهم إلى أشلاء متناثرة طوال سنوات متوالية في العراق وسوريا وبأيادي تكفيرية وبعثية، ووفق مخططات استخباراتية عالمية وإقليمية، وآخرها جريمة الكرادة التي وقعت والناس في حالة وداع لشهرِ الله وهم يتسوقون فرحين بقدوم العيد، ليتحوَّل عيدُهم إلى مآتم وفواجع.. إنَّ وجود هذه القابلية في النفس البشرية تستدعي بالضرورة أن تُخاطَب بهذا الخطاب التخويفي التهديدي من الله تعالى، لعله يردعها عن التمادي في طاعة شياطين الجن والإنس، ويعود بها إلى فطرتها الإنسانية القويمة.



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: