فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





الشيخ علي حسن غلوم - 11/12/2015م - 11:18 ص | عدد القراء: 542


ـ (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) آل عمران:144


ـ نزلت هذه الآية الشريفة في السنة الثالثة للهجرة في أجواء غزوة أحُد، أي في بدايات المنعطف الجديد في الصراع بين الإيمان والشرك (أي بعد العهد المكي)، ولعل ذلك في إطار ما أشيع من قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ساحة المعركة على ما أخبرت عنه بعض الروايات


ـ وأثَّرت تلك الإشاعة بالمستوى الذي وقع معه الارتباك على المستوى الإيماني والنفسي والعسكري في صفوف المقاتلين المسلمين حتى قيل: (ليتنا نجد مَن يأخذ لنا الأمان من أبي سفيان) وقيل: (لو كان محمَّد نبيّاً لـم يُقتل، الحقوا بدينكم الأوّل) .


ـ ومن هنا كان القرآن حاسماً، إذ جاءت الآية لتقرر أن القيادة مهما كانت عظيمة، كقيادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإنَّ غيابَها لا يوقف المسيرة، ولا يُلغي المشروع


ـ فالمبادئ والرسالة هي الأصل، والقادة يُخلَّدون ويُعظَّمون بمقدار إخلاصهم وتضحياتهم لأجل هذه الرسالة والمبادئ، ومن خلال ذكراهم، لا من خلال حضورهم الجسدي، لأن الله لم يكتب لأحد الخلود في هذه الحياة


ـ هذه الحقيقة الإيمانية أدركها بعض أصحاب رسول الله في تلك اللحظات، حيث يُروى أن أنس بن النضر مرّ ببعض الهاربين من ساحة المعركة، فسألهم مستنكراً: (ما يجلسكم؟ قالوا: قد قُتل محمَّد رسول اللّه. قال: وما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول اللّه. واستقبل القوم فقاتل حتّى قُتل) .


ـ ثم إنَّ فهمنا لهذه الحقيقة الإيمانية يُلغي فكرة عبادة الشخصيات المنطلقة من الفكرة السابقة، حتى إذا غاب غابت الرسالة معه.. وإذا انحرف، انحرف الناس معه، وسطّروا لانحرافه وانحرافهم معه قوائم من التبريرات


ـ وهذا ما لخّصه أمير المؤمنين عليه السلام بعبارة أخرى حيث روي أن الحارث بنَ حَوْط أتاه فقال: (أَ تَرَانِي أَظُنُّ أَصْحَابَ الْجَمَلِ كَانُوا عَلَى ضَلَالَةٍ؟ فَقَالَ عليه السلام: يَا حَارِثُ، إِنَّكَ نَظَرْتَ تَحْتَكَ وَلَمْ تَنْظُرْ فَوْقَكَ فَحِرْتَ. إِنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ الْحَقَّ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ، وَلَمْ تَعْرِفِ الْبَاطِلَ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ). وفي نص آخر: (إنَّ الحق والباطل لا يُعرفان بالناس، ولكن اعرف الحق باتباع من اتبعه، والباطل باجتناب من اجتنبه) .


ـ علماً بأن جزءً من مشكلة التناقض الذي نعيشه بين العناوين الرائعة التي نحملها كالإيمان والولاية، والقادة المثاليين الذين ننتسب إلى نهجهم من جهة، وبين حقيقة شخصياتنا وسلوكنا غير المتناغم مع تلك العناوين من جهة أخرى، يكمن في هذا التركيز على الشخصيات في ذاتياتهم، وإهمال الرسالة في مبادئها وقيمها


ـ ثم تعال اليوم إلى إحدى انعكاسات عبادة الشخصيات، المتمثلة في مفهوم الرئيس الأوحد، والقائد الضرورة، واختصار الأوطان في القادة، وهو ما يروِّج له الإعلام في كثير من الدول العربية والإسلامية


ـ ويبلغ الحال إلى مستوى الاستعداد لتقديم ملايين القرابين البشرية بإشعال الحروب الأهلية وتدمير الأوطان وتهجير الناس كي يبقى هذا القائد الضرورة على سدة الحكم، على الرغم من كل ما مارسه من فساد وظلم


ـ هذا فضلاً عن إضفاء صفة (العصمة) على أفعاله وقراراته حتى لا يملك أحدٌ الحقَّ في نقده أو تخطئته


ـ وتأتي هذه الكذبة الكبرى ليصدّقها صاحبُها بنفسه، حين تتضخم الذات عنده إلى المستوى الذي لا يلتمس معها إلا مصالحه، ولا يصحح إلا رأيه، فهي أشبه ما تكون بعبادة الذات من خلال عبادة الفرد لهواه: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ) الفرقان:43


ـ وبعضهم يجعل لحزبه حالة شبيهة، إذ يستغرق في المصلحة الحزبية حتى يتحول الحزب عنده إلى إله، لا يعمل إلا من أجله، ولا يحقق النتائج إلا بما يزيد من رصيده الشعبي، وأما المصلحة العامة فإلى جهنم


ـ إن هذه الصور بأجمعها صور مرفوضة وفق المنطق القرآني، لأن الله لا يريد لنا أن نستغرق في ذاتيات القيادة ـ وإن كانت بمستوى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ـ ونحدِّق في مكامن عظمتها، ثم ننسى القضية ذاتها، ونغفل عن الأهداف التي من أجلها قدَّمت تلك الشخصيات ما قدَّمته من تضحيات جسام حتى ارتفعت مقاماتها عند الله وعند الناس، لأن هذا قد يعرّضنا إلى ازدواجية الشخصية والابتعاد عن الرسالة والمباديء.. ويأتي بالتبع رفض فكرة عبادة الشخصية التي خَلَقت لنا طواغيت لا يرون إلا مصالحهم، وأحزاب تغوَّلت حتى غدت عند المتحزّبين لها آلهة لا يرون لهم مشروعاً إلا غلَبتها على سائر الأحزاب، ليُحوِّلوا الشعوب إلى ضحايا وقرابين، والأوطان إلى محارق وخرائب متى وَجد أولئك الطواغيت أو وَجدت تلك الأحزاب أنها مهدَّدة بخسائر على مستوى الصراع السياسي أو المواقع المتقدمة في السلطة، وفق منطق (عليَّ وعلى أعدائي) .



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: