فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





سيد جابر بهبهاني - 10/07/2010م - 10:17 ص | عدد القراء: 946


بسم الله الرحمن الرحيم

(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

(نلتقي بشخصية ابراهيم عليه السلام التي تتجمع فيها خصائص الإنسان الذي تعيش الأمة فيه وتمتد منه في حركة رسالته، وتلتقي في أجوائه الروحية ، روحية الجماعة في صورة الفرد ) هكذا فهم ووعي فقيدنا الراحل العلامة المجاهد آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله قدس سره هذه الآية الكريمة في تفسيره من وحي القرآن فكان ابراهيمياً في انطلاقته كما كان في نسبه، فأصبح أمة في قضاياه وهمومه وعطائه.

انطلق مقتديا بجده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال فيه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام (طبيب دوَّارٌ بطبهِ، قد أحكمَ مراهِمَهُ، وأحمى مواسِمَه) انطلق فلم يترك ميدان من ميادين الحياة إلا وله فيه صولة وجولة، ناكراً في ذلك ذاته، جاداً مجتهداً، متفانياً في عطائه، لا تأخذ في الله لومة لائم، فكان الآية العظمى في الفقه، والعلم الهادي في الفكر، والناقد المهذب في الكتابة، والعقل المنفتح في الحوار، والفيض المتدفق في الأدب، والأستاذ الخبير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والفارس المقدام في الجهاد، والبطل المجاهد في المقاومة، والأب الرؤوف للأيتام، والراعي الرحيم للمحتاجين، والإنسان المحب في علاقاته، وفي هذا يصدق عليه قول الشاعر الذي قال في جده الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الذي بعد أن عدد مناقبه:

قالت أكلّ الذي قلتَ في رجلٍ، فقلتُ: كلّ الذي قد قلتُ في رجلِ

أحبتي هذه وبدون مبالغة هي مجرد عناوين لعطاء الفقيد الراحل ومعرفتي بها معرفة دراية وليست رواية، فعلاقتي بالفقيد الكبير تمتد إلى أكثر من ثلاثون عام مضت تشرفت أنا وأخوة لي خلالها بخدمة الفقيد، في حملة التوحيد الكويتية التي تشرفت بوجوده المبارك فيها لما يقارب السبعة حجج، وفي العديد من المؤتمرات التي شارك فيها في الولايات المتحدة وبريطانيا، وكذلك في الزيارات المتكررة التي كنا نقوم بها له في لبنان وسوريا.

وقد سمحت لنا هذه الرفقة أن نقترب منه لننفتح عليه بالحوار، وكذلك تقديم الدعم والمساندة ولو بالقدر اليسير في المشاريع الخيرية التي أسسها، لذا ما سأقوله في هذه الكلمات قليلة هي شهادة هو في غنى عنها، ولكنها شهادة للتاريخ، والحقيقة من الصعوبة أن تتكلم عن ثلاثين عاماً في كل يوم فيها له عطاء وإنجاز، مما توقعك في حيرة عن ماذا تتكلم؟ وماذا تترك؟ وقد حاولت أن أسد بعض الفراغ الذي لم يذكر من سيرته.

في تعليق لأحد المعزين للفقيد الكبير تساءل أن كيف استطاعت هذه الشخصية العظيمة أن تقدم كل هذا العطاء؟ فهو من المراجع التي ندر مثيلها في الآثار التي خلفتها، وجوابي هو أن هذه الشخصية حرمت عليها الراحة، فقد كان الفقيد يعمل وبدون مبالغة لمدة عشرين ساعة في اليوم، ففي موسم الحج والمؤتمرات يبدأ برنامجه اليومي من بعد صلاة الفجر بالدروس والمحاضرات واللقاءات، بل وحتى كان أثناء تناوله الوجبات تجد المحبين محلقين حوله يتحاورن معه، وهكذا كان إلى آخر الليل وحتى إذا كان يستأذنا ليذهب إلى النوم، كنا إذا دخلنا عليه نجده إما يقرأ أو يكتب، وكان مرافقيه يقولون لنا أن هذا الذي ترونه إنما هي إجازة له بالمقارنة بما يقوم به في لبنان.

وأذكر في مؤتمر من المؤتمرات في الولايات المتحدة خصص يوم للرد على الأسئلة وجلس لمدة ثلاثة ساعات متواصلة يرد فيها على الأسئلة، وفجأة أنهى الأسئلة وسارعت لأخذه إلى الغرفة المخصصة له، وقال أنه كان يود الإستمرار إلا أنه شعر بإنقطاع النفس من التعب لم يمكنه من الإستمرار، فقلت له سيدنا أكثرها أسئلة مكررة يمكنك تجنبها، فقال لي أن هذا السائل قد يكون قطع مئات الكيلومترات فقط ليسأل هذا السؤال، فليس من الإنصاف أن لا أرد على سؤاله، وما أن دخل غرفته ليستريح حتى أتى بعض الأخوة يطلبون لقائه وحاولت الإعتذار لهم لأن سماحة السيد متعب، ولكن أمام الإلحاح دخلت على سماحته وأخبرته فسمح لهم باللقاء وامتد لأكثر من ساعة، وكأنه في بذله لهذه الجهود يريد لأن يكون مصداق لدعاء كميل رضوان الله تعالى عليه الذي كان يقرأه لنا بصوته العذب الشجي والذي يحتوي الفقرة (أَسْأَلُكَ بِحَقِّكَ وَ قُدْسِكَ، وَاَعْظَمِ صِفاتِكَ وَ اَسْمائِكَ، أنْ تَجْعَلَ اَوْقاتي مِنَ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ بِذِكْرِكَ مَعْمُورَةً، وَ بِخِدْمَتِكَ مَوْصُولَةً، وَ اَعْمالي عِنْدَكَ مَقْبُولَةً) .

أما عن بطولته وجهاده فتعلمون أن بداية انطلاقة الفقيد في لبنان تكاد تكون متزامنة مع الحرب الأهلية في لبنان، هذه الحرب التي حولت لبنان إلى غابة من الأسلحة القوي فيه يقهر الضعيف وكانت الظروف الأمنية متشنجة، تجعل من ليس لديه سلاح في مهب الريح أو تجبره على الرضوخ والخنوع، ولكن الفقيد البطل المجاهد واجه هذه الظروف القاسية بكل قوة وشجاعة فلم يرضخ ولم يخنع بل صمد وتحدى، وبإمكانات جداً متواضعة أشبه
ما تكون بمن يواجه ذئاب مفترسة بعصاه، ولكن عصا الفقيد المجاهد كانت كعصا موسى عليه السلام التي ألتهمت كل مؤامرات الإغتيال أو الإسقاط المتعددة.

وكانت أخطر هذه المؤامرات هو الإنفجار المرعب في بئر العبد الذي راح ضحيته أكثر من ثمانين شهيد كان الاجراء الأمني الطبيعي مقابل هذا الانفجار المرعب أن يتوارى الفقيد عن الأنظار ولو بضعة أيام وكان لا أحد يلومه على ذلك، ولكن شجاعة الفقيد أبت ذلك وحبه للناس دفعه لمواساتهم في مصابهم، فخرج في ثاني يوم الإنفجار ليكون في مقدمة موكب تشييع شهداء الإنفجار، وخطب بالجماهير بعد الإنتهاء من التشييع وأول ما أوصاهم به هو الوحدة والتماسك، فلم تقيد هذه المؤامرات حرية انطلاقه وكان يلبي جميع الدعوات من داخل لبنان أو خارجها، وعندما نتحاور معه على ضرورة تخفيف السرعة في الإنطلاق، كان يقول هذا ما يريده المتآمرون وسوف لن أعطيهم الفرصة لذلك، ما أروعك يا شبل حيدرة الكرار سقطت عند أقدامك كل المؤامرات.

كان كل هذه المؤامرات بسبب موقفه الرافض للكيان الصهيوني والرافض لأن يكون لبنان ملعباً لعبث الطغيان والإستكبار، وقد سمعتم وقرأتم في رقدته الأخيرة على فراش المرض أجاب من يقوم برعايته (لن أرتاح حتى يزول الكيان الصهيوني) .

دعم المقاومة ضد هذه الكيان الصهيوني المجرم بكل ما أوتي من قوة ولم يغفل عنها طرفة عين، وكما قلت لم يرضخ للترهيب كما لم يضعف للترغيب الذي عرض عليه بغطاء دعم مشاريعه الخيرية، أحد هذه العروض كانت ثلاثة عشر مليون دولار وكان البطل المجاهد يعلم ما يخفي هذا العرض، فقد كان بمثابة الطعم التي ستتبعه ملايين أخرى لو قبلها ولكن رفضها بكل حسم.

وهاهم أبطال المقاومة وفي مقدمتهم سماحة السيد حسن نصر الله يفتخرون أنهم كانوا من تلامذته وشملهم برعايته وأنه كان القدوة لهم في شجاعته وبطولته وتحديه وفكره، وقد كان هو أيضاً يفتخر ويعتز بهم ودائماً ما كان يناديهم بأبنائه الذي رباهم وساندهم، ومنذ بداية الثمانينات كنا نشهدهم يتوافدون عليه في موسم الحج وأولهم كان الشهيد السيد عباس الموسوي رحمه الله تعالى.

ولم تكن مفاجأة للعارفين بتاريخ البطل المجاهد مع المقاومة أن يكون سكنه الخاص من أوائل الأهداف التي قصدها القصف الصهيوني الهمجي في حرب 2006 ، وكان على الرغم من اعتلال صحته في تلك الأيام كلكم شاهدتموه على شاشة التلفزيون يناصر ويعين المقاومة في وقت عز فيه الناصر وقل المعين، وأطلق على أبطال المقاومة لقب البدريون لأنهم وازنوا ميزان القوة في المنطقة بعد أن كان الكيان الصهيوني مستفرداً بقوته في المنطقة، كما فعلها المسلمون في بدر عندما كانت الجاهلية مستفردة بأرض الجزيرة.

وكما قلت لكم يصعب التكلم عن شخصية عظيمة مثل هذه في دقائق معدودة وودت لو أتيح لي المجال للتكلم عن المشاريع الخيرية، ولكن على عجالة كانت بداية جمعية المبرات الخيرية بتأسيس مبرة الإمام الخوئي رضوان الله تعالى عليه وتوسعت إلى ما يقارب ثلاثين مسجد ومبرات للأيتام ومؤسسة تعليمية وتأهيليه وثقافية، وفي أحد الزيارات اطلعت على بعضها، فرأيتها غاية في دقة التنظيم تتبع أحدث الأنظمة الإدارية والتربوية، والمكسب الذي قد لا يعلمه الكثير إضافة إلى الخدمات التي تقدمها إلى المجتمع، هي الخبرات الإدارية والتنظيمية التي تأهلت في هذه المؤسسات، مما يجعلها في مصاف المؤسسات الدولية في مجالها.

وعندما سألت السيد الفقيد عن سبب هذا النجاح قال: لم أتدخل في تفاصيل أعمالهم وأعطيتهم حرية التصرف واتخاذ القرار ضمن الإطار المحدد لهذه المؤسسات واحتفظت بدور المراقب والمستشار، فلو تدخلت في التفاصيل لأصبحوا عبئاً علي بدل من يكونوا معينين لي.

وهذا يدل على عقلية السيد الفقيد الإدارية الراقية التي تحاكي أحدث النظريات الإدارية.

لله تعالى درك يا سيدنا العزيز بكتك الأيتام والأرامل والأسر المحتاجة كما بكوا من قبلك جدك أمير المؤمنين عليه السلام .

اللهم هذا عبدك المسكين قد نزل بك وأنت خير منزول به، اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيراً، فرحماك يا ربي رحماك بهذا السيد الجليل.. رحماك يا ربي رحماك بهذا الآية العظمى.. رحماك يا ربي رحماك بهذا الأستاذ الخبير.. رحماك يا ربي رحماك بهذا البطل المجاهد.. رحماك يا ربي رحماك بهذا الإنسان المحب.. رحماك يا ربي رحماك بهذا المجاهد المظلوم.

وحسبي فيك قول الشاعر في عمك الإمام الحسين عليه السلام:

تبكيك عيني لا لأجل مثوبة.. لكنما عيني لأجلك باكية

وإنا لله وإنا إليه راجعون



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: