فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





سيد رضا الطبطبائي - 23/05/2012م - 12:14 ص | عدد القراء: 2001


خبر محزن وحدث مؤسف، طرق مسامعنا وهز قلوبنا، ونحن في المزدلفة، في المشعر الحرام بعد منتصف الليل وقبل طلوع الفجر في موسم الحج عام 1418هـ، من ناحيتي كان يجب عليَّ أن أكتم الخبر، ولا أبوح به لأحد، لأن إدارة حملة الحاج كاظم عبدالحسين (حملة التوحيد) أرادت ذلك، وارتأت أن يكون الإعلان عن ذلك والبوح به بعد صلاة الفجر، لظروف خاصة و عائلية ووجود أفراد من عائلته الكريمة معنا وسيكون وقع الخبر عليهم مؤلماً و خاصة أنهم ما زالوا محرمين ويستعدون ليوم شاق آخر وعليهم أن يأخذوا قسطاً من الراحة ليتمكنوا بعد ذلك من أداء بقية المناسك حيث السير على الأقدام إلى العقبة الكبرى والرجم والانتظار بعد ذلك من الانتهاء من عملية النحر وابلاغ الحجاج بذلك وحثهم على التقصير أو الحلق والذهاب بعد ذلك إلى مقر الحملة والاستعداد مرة أخرى للرجوع إلى منى حيث التواجد هناك حتى منتصف الليل. رحلة إيمانية طويلة شاقة، وأعمال متواصلة، من الوقوف في عرفات والتوجه بعد الغروب إلى المزدلفة والبقاء فيها حتى طلوع الشمس، وإكمال بقية المناسك كما قلنا آنفاً.

إذاً الخبر الصاعقة هو أن الأخ العزيز والصديق الوفي عبدالعزيز موسى النقي (بو سعود) لفظ أنفاسه الأخيرة وهو مُحرم ومتجه من المزدلفة إلى منى ليلاً نظراً لظروفه الصحية، وكان في نفس الحافلة التي تقل زوجته (أم سعود) ، وأما قرار عدم نشر الخبر كان لوجود ابنه سعود معنا في المشعر الحرام، وبصراحة شخصياً كنت متحيراً بين البكاء وذرف الدموع عليه حزناً، أم أن أغبطه على هذه النقلة النوعية والتي نتمناها جميعاً وهو لقاء الباري عز وجل في مثل هذه الحالة (حالة الاحرام ولبس ثوبي الاحرام) ما أحلى وما أجمل هذه الرحلة وهي فعلاً مباركة وإن كانت على حساب حياة أحد أعز أحبتنا وإخواننا الذى عشنا معه مدة ليست بالقصيرة وخاصة في مجال العمل الإسلامي الواعي، وجمعتنا معه الأخوة الإسلامية والعلاقة الإيمانية، والعمل الرسالي المنفتح .

كان أول لقاء ومعرفتي به رحمه الله تعالى – حسبما أتذكر - في جامع النقي (منطقة الدسمة - دولة الكويت) ، حيث كان حضوره للصلاة في جميع أوقاتها وكان تواجده قبل وبعد أداء الفروض للقيام بالنوافل وقراءة الأدعية التي كانت من واجباته اليومية وأعماله المستمرة والتزاماته المعروفة، وكان أيضاً دائم الحضور للدروس والمحاضرات التي كان يلقيها سماحة الشيخ علي الكوراني وسماحة الشيخ محمد مهدي الآصفي (حفظهم الله تعالى من كل سوء وشر) سواء داخل المسجد أو في الديوان، وأما حضوره للمجالس الحسينية، فكان دائم الحضور بل مدمناً لمجالس الخطيب الأشهر والعلم الأبرز الشيخ الجليل د. أحمد الوائلي (أعلى الله مقامه الشريف وحشره مع نبينا محمد وآله الطاهرين) ،وعندما علم بو سعود أننا نقوم بتسجيل هذه المحاضرات والدروس قال لي بأنه مستعد لتوفير كل ما يلزم لذلك من أجهزة وأشرطة وأنه سيتحمل كافة النفقات المالية، وكان يطلب دوماً أن نفاتحه شخصياً بالمبالغ المطلوبة لذلك دون اللجوء إلى غيره مع العلم أن نفقات ذلك كان قليلاً، ولكنه كان يريد ويهدف الاستمرار في العمل وعدم التوقف عنه لأي سبب من الأسباب، وكان يعلم بأن مثل هذه المحاضرات والدروس والندوات التي تميز بها جامع النقي في تلك الأيام، كانت من أرقى المحاضرات في الأوساط الإيمانية في العالم، وأن الفكر الجديد الواعي المنفتح الذى بدأ ينطلق من جامع النقي كفيل بأن يحدث تغييراً شاملاً في العقلية والذهنية الشبابية، وأن الثقافة التي بدأت تنتشر بين شباب الجامع كانت من نوع آخر تمهد وتساهم في صقل ذهنية جديدة تنظر للأمور نظرة شمولية واعية.

وفعلاً فقد بدأنا بعد فترة وجيزة بنشر ما تم تسجيله من محاضرات على نطاق واسع كان له الأثر العظيم والصدى الكبير في الأوساط الإيمانية، وبالمناسبة فللتسجيلات وأشرطة الكاسيت قصة وذكريات أخرى كتبنا عنها موضوع خاص تجدونه على موقعكم البشائر في قسم التسجيلات.

ونعود لموضوع تمويل نشاطات الجامع وموقف أبا سعود منه فكان يصر أن يكون التمويل عن طريقه وكان يقول بالطريقة الشعبية (سيدنا لا تمدون إيدكم حق أحد مادام أنا موجود) وفعلاً عملنا بذلك وكنا نستمد العون منه في تغطية مصروفاتنا المالية الخاصة بهذه النشاطات التي كنا بحاجة ماسه لها لأننا كنا بصراحة من المستضعفين مالياً في تلك الأيام ولم نكن نملك ما نستطيع به دفع فواتير نشاطاتنا من مواردنا الخاصة، وكان ذلك يتم بتكتم شديد ودون معرفه من الأخوة المتواجدين دوماً في الجامع بناء على طلبه.

كان أبا سعود يصلي في الصف الثاني وعلى يمين إمام الجماعة وكان موضعه معروفاً لجميع المصلين بحيث غيابه الاضطراري لأداء الصلاة جماعة -وهو ما كان يحدث نادراً - يترك التساؤل لدى المصلين عن سبب ذلك، وبالمناسبة كان رحمه الله تعالى يفرش سجادة صغيره خضراء يطويها بعد الفراغ من الصلاة والنوافل والمستحبات.

أما أسرته فهي من الأسر المتدينة، فأم سعود (رحمها الله تعالى وأسكنها فسيح جنانه وحشرها مع النبي محمد وآله الطاهرين) غنية عن التعريف ويشار إليها بالبنان في أوساط العمل الخيري ومساعدة الفقراء والمساكين والمعوزين وخاصة في الوسط النسوي، وأما أولاده فهم من الملتزمين والمتدينين ويعتبرون امتداداً لأبو سعود وأم سعود، ونترحم هنا على ابنهما محمد الذي غادرنا مبكرا ولا نملك إلا الدعاء له والطلب من الباري عز وجل أن يجعله في مقعد صدق وأن يشمله برحمته الواسعة.

كان بوسعود قليل الكلام كثير الصمت وخاصة في المسجد وكان يتفرغ للدعاء والنوافل وقراءة القران الكريم، وفى ليالي القدر المباركة كان من أوائل المتواجدين لإحيائها ويؤدى فيها من الأعمال حتى الانتهاء منها ولا يغادر المسجد إلا لتناول وجبة السحور ليأتي ثانية لأداء صلاة الفجر جماعة.

كان حسن المظهر وأخلاقه عالية وحديثه شيقاً وخاصة إذا فتح قلبه لمحدثه، وكان قليلاً ما يتحدث ولكنه عندما كان ينفتح على من ينفتح عليه كان يبوح بما في صدره ويعرض كل همومه وما يختزن ذلك الصدر من الألم والعتب والحزن وخاصة تجاه بعض الأحداث والمواقف، وشخصياً كنت على علاقة طيبة وأكثر من ممتازة معه لدرجة أنه كان يستشيرني في الجهة التي يفضل أن يعمل فيها ابنه بعد تخرجه ووجهة نظري في من يتقدم للزواج من ابنته.

كان بو سعود رحمه الله تعالى عصامياً توكل على الله عز وجل واعتمد على نفسه وعمل جاهداً ليشق طريقه في الحياة، وكان معروفاً بالأمانة والالتزام وحسن السمعة مع من يتعامل معهم في السوق، وكان عدد كبير من أصحاب المصالح وأهل التجارة يلجئون إليه لترجمة الرسائل التي تردهم باللغة الإنجليزية والرد عليها نظراً لإتقانه لها وأمانته المعروفة وخاصة أن مثل هذه الرسائل تحمل أسرار العمل والتجارة وقد يسبب البوح بها خسارة كبيرة للتاجر أو ضياع صفقة أو دخول آخرين معه على خط المنافسة.

كان من أولئك الذين ينفقون في السر ويتواصلون مع الفقراء والمحتاجين وكان يستقبل عدد منهم في مكتبه بالسوق وطالما كان يتحسر ويتأسف على أوضاعهم وكان يقول بأن منهم ذكوراً وإناثاً كانوا أطفالاً ووصلوا سن الرشد وتجاوزوا العشرين عاماً ولازالوا فقراء ويطلبون العون والمساعدة من هذا وذاك.

كان أبا سعود من الذين يقومون بأداء مناسك الحج سنوياً وكان يخطط لذلك مبكراً، فعند انتهائه من هذه المناسك كان يطلب من إدارة الحملة تسجيل اسمه من ضمن قائمة الحجاج الذين يرغبون القيام بأداء هذه المناسك معها في السنة القادمة، ولم يكن يفوت الفرصة لأدائها إلا لظروف قاهرة وشاء الله تعالى بحكمته وقضاؤه أن يستضيفه في أيام الرحمة والمغفرة والخير والبركة وخاصة بعد الانتهاء من أعمال يوم عرفة والوقوف في عرفات هذا اليوم الذى يُقبل فيه الدعاء وتشمل فيه الرحمة الإلهية الواسعة جميع العباد وخاصة أولئك الذين يتواجدون في صحراء عرفات.

تم نقل جثمان أبو سعود الطاهر إلى مدينة جدة بعد أن قام العم الحاج كاظم عبدالحسين والأخ العزيز سيد فاضل سيد إبراهيم بالإجراءات اللازمة لذلك وبمراجعة جهات الاختصاص وأخذ الموافقات النهائية في مثل هذه الحالات، وأما الأخوة الأعزاء سيد جابر بهبهاني وإسماعيل سلطان (بوجلال) فقد قاما بجميع الاجراءات المتعلقة بالجثمان الشريف، وتابعاها بدءاً من وزارة الصحة والجمارك وسلطات المطار في جدة، ومن الجدير أن نذكر بأن الأخوة المذكورين كانا قد ذهبا ضمن إدارة الحملة في ذلك الموسم ولم يقوما بتأدية مناسك الحج بل العمرة المفردة، للمرة الأولى في تاريخ الحملة، مما سهل عليهما الانتقال، ومتابعة هذه الاجراءات ويروى سيد جابر بهبهاني بأنه عند مراجعة الجهات المختصة كان الجميع يسأل عن كيفية ومحل وفاة أبا سعود فكان الجواب في الطريق من المزدلفة إلى منى فكان تعليقهم بأن هنيئاً له، وعند الانتهاء من جميع الاجراءات، غادر كل من أم سعود وسعود والعم الحاج كاظم عبدالحسين مكة المكرمة إلى مطار جدة لمرافقة الجثمان الطاهر إلى الكويت. وكان ذلك في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة الحرام، وأما الأخوة سيد جابر وبوجلال رجعا إلى مكة المكرمة بعد توديع الجثمان الطاهر والمرافقين له.

وتخليداً لذكرى أبا سعود العطرة، ووفاءً لموقفه المشرف من الجماعة المباركة، قامت إدارة الحملة بإطلاق اسمه على احدى القاعات الرئيسية في مبنى الحملة في مكة المكرمة.

وفي الكويت تم استقبال الجثمان والمرافقين من قبل أسرته الكريمة وذويه وأصحابه وأصدقائه ومحبيه، وشاءت الأقدار أن يدفن بجوار المرحوم الحاج محمد خضير حبيب (أبو مصعب) والذى انتقل الى جوار ربه في الثالث عشر من ذو الحجة الحرام 1418هـ الموافق العاشر من شهر ابريل 1998م، أما وفاة أبا سعود فقد كان في العاشر من شهر ذو الحجة 1418هـ الموافق السابع من شهر ابريل 1998م، وشاءت الله سبحانه وتعالى أيضاً أن يغادر كل منهم الدار الفانية عن عمر يناهز الثلاثة والستون.

ومن الجدير بالقول أن أبا مصعب كان من أوائل الذين التزموا التواجد في جامع النقي، وكان له الدور المشهود في جمعية الثقافة الاجتماعية، وكان يعتبر بحق من رموز الحركة الإسلامية الواعية، وكان له دور بارز في دفعها إلى الامام وكان معروفاً في الأوساط الإيمانية في المنطقة، وعلى مستوى المراكز الإسلامية المنتشرة في العالم والتي تتبنى الإسلام على منهج أهل البيت عليهم السلام، وكان رحمه الله تعالى متابعاً نشطاً لما يدور على الساحة الاسلامية في المنطقة والعالم، وكان ذو إرادة حديدية إذا أقدم على عمل لا يدعه إلا وأنجزه، وفي السنوات الأولى من انطلاقة الحركة الإسلامية المباركة من خلال جامع النقي وجمعية الثقافة الاجتماعية، صمم على اكمال مسيرته الدراسية وهو موظف في وزارة الصحة، واستطاع أن يجتاز الثانوية العامة وأن ينتظم في الجامعة العربية (فرع بيروت) لإكمال ومتابعة دراسته الجامعية، وحصل على بكالوريوس التجارة منها، وكان في الأشهر الأخيرة من العام الدراسي يقيم في منطقة القماطية برفقة الأخ العزيز سيد عبدالجليل الطبطبائي الذى كان أيضاً يتابع دراسته هناك، وكان كثير من الأخوة الأعزاء يذهبون إلى هناك للسياحة وخاصة أن فترة الامتحانات كانت تتزامن مع العطلة الصيفية، وكان وجوده في لبنان لفترة طويلة كل عام يمكنه من الاطلاع ومتابعة الكتب الجديدة التي تتناول الفكر والثقافة الإسلامية، وحضور المحاضرات والندوات التي تتناولها، ولقاء رموز الفكر الإسلامي الحركي الواعي للتعرف على الجديد من عطائهم ومؤلفاتهم ولا ننسى كذلك ما تشهده الساحة اللبنانية من انفتاح على جميع الثقافات ومختلف الأفكار، ويعرف المهتمين والمتابعين جيداً أهمية هذه الساحة لمتابعة ما ينتجه العقل البشري من فكر وثقافة.

إذاً رقد أبا سعود بجوار أبا مصعب، ليذكرانا بتواجدهما المنتظم في جامع النقي، وكذلك لتذكير كل من يزور قبر أحدهما لقراءة الفاتحة على روح الآخر.

ونشير هنا أيضاً أنه بعد انتهاء موسم الحج ورجوع الحملة إلى الكويت أقامت إدارة الحملة أيضاً برنامجاً تأبينياً في جامع النقي وذلك عصر يوم الخميس 19 ذو الحجة الحرام 1418هـ الموافق 16/4/1998م، وقد تحدث فيه كل من الأخوة الأعزاء: الدكتور منصور غلوم دشتي وسيد جابر بهبهاني وحمد بوحمد وحسين النقي وسعود ابن المرحوم، وكان عريف الحفل الأخ العزيز محمد جواد كاظم وقام بقراءة القرآن الكريم الحاج ميثم كاظم، ومن غرائب ما ذكره الأخ العزيز سعود النقي بأن المتواجدين في منزل والده الكائن في القطعة (5) في منطقة مشرف قد أحسوا بما يشبه هزة خفيفة ضربت المنزل، إضافة إلى موت طير كان يهتم به المرحوم كثيراً وذلك في وقت مقارب للساعة التي لفظ فيها أبا سعود أنفاسه الأخيرة.

وأخيراً.. بالفعل كان غيابه خسارة للعمل الاسلامي في مرحلة جداً حساسة، ولا نملك إلا أن نردد قول الشاعر "وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر".

رحمك الله يا أبا مصعب، ورحمك الله يا أبا سعود أنت وزوجتك الفاضلة وابنكم محمد وأسكنكم في فسيح جنانه وحشركم مع نبينا الكريم وآله الطاهرين.



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: