فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





سيد رضا الطبطبائي - 29/04/2012م - 11:12 م | عدد القراء: 1227


انتقل إلى الرفيق الأعلى فجر يوم الخميس 24 ربيع الأول 1433هـ الموافق التاسع عشر من شهر فبراير عام 2012 م الحاج حسين حسن علي بلند عن عمر يناهز الـ 89 عاماً. وقد كانت ولادة فقيدنا الراحل حسب ما جاء في بطاقته المدنية في 01/05/1923م.

عُرف عن المرحوم الحاج حسين بلند تدينه والتزامه منذ شبابه، وكان دائم الحضور في المجالس الحسينية ومن رواد المساجد وكان طوال حياته يصلي فيها الفروض الخمسة جماعة إلا في حالات الضرورة القصوى كالمرض أو السفر، وحتى أيام الاحتلال الصدامي المقيت لدولتنا العزيزة كان يصر على الذهاب إلى الجامع في جميع الأوقات.

كان رحمه الله تعالى يتلوا القرآن الكريم في الحسينيات قبل ارتقاء الخطيب الحسيني المنبر، وفي العشر الأوائل من أيام شهر محرم الحرام كان يبدأ وينهي المجلس بقراءة الرواديد الحسينية، باللغتين العربية والفارسية، وكان ذو صوت حزين ويتفاعل معه الحضور بشكل ملفت للنظر.

وفى حسينية سيد محمد الحسيني في منطقة بنيد القار كان دائم الحضور في ليالي شهري محرم وصفر وشهر رمضان المبارك والمناسبات الدينية المختلفة على مدار السنة، وكنت من المتواجدين فيها بصورة مستمرة وخاصة في السنوات التي كان الخطيب فيها سماحة الشيخ وحيد الخراساني المرجع الموجود حالياً في مدينة قم المقدسة في ايران، حيث كان دوماً ما يختار آية من الآيات القرآنية التي يتلوها فقيدنا المرحوم قبل ارتقاءه المنبر ليجعلها بداية لمحاضرته وينطلق منها للدخول في موضوعه، وقبل ذلك كان أيضاً من الرواد والمشاركين في نشاطات حسينية سيد محمد في منطقة شرق قبل انتقال موقعها إلى بنيد القار، وبعد انتقالها إلى موقعها الحالي في منطقة سلوى لفترة طويلة، وحسب ما قاله لي متوليها أن مرحومنا الغالي خدم الإمام الحسين عليه السلام فيها لفترة خمسون عاماً.

وفى ليالي الجمع كان يقرأ الأدعية المعروفة في هذه الليلة المباركة على مسامع المتواجدين في الحسينية.

وكان يرفع الأذان في جامع النقي بمنطقة الدسمة لفترة طويلة، وكان أيضاً بعد الانتهاء من صلاة الجماعة وبعد كل فرض يتحفنا بقراءة الأدعية والأذكار الواردة، وكنت كثيراً ما أستمع عصر أيام الخميس قراءته لزيارة الجامعة الكبيرة، وكذلك لدعاء السمات عصر يوم الجمعة، وكان رحمه الله تعالى فعلاً معلماً من معالم جامع النقي، وكان يصلى خلف الإمام مباشرة، ولم ينقطع عن ذلك إلا بعد مرضه في أواخر حياته المباركة، فهو لم يكن يترك صلاة الجماعة في المسجد إلا نادراً، وحتى في سفره إلى الخارج كان يصر على اقامة صلاة الجماعة.

وجدير بالذكر ومن خلال العلاقة الطيبة والصداقة الحميمة والطويلة التي كانت تربطني معه لم أسمع منه ولا مرة واحدة أنه سافر للسياحة أو الراحة، بل كانت كلها لأداء مناسك الحج أو العمرة أو لزيارة المراقد المقدسة للمعصومين الطاهرين وأبنائهم ومن ينتسب إليهم، وكان رحمه الله تعالى من أولئك الذين قضوا حياتهم في مجالس الذكر، وقد أخبرني أنه انضم في شبابه إلى جمعية تهتم بالقران الكريم وبحفظه وتدريسه وكانت تسمى في تلك الأيام (انجمن درس قرآن -باللغة الفارسية) ، وحدثني عدة مرات بأنه كان يدرس عند والدي المرحوم سيد حسين الطبطبائي في شبابه أيام الكتاتيب، وكان يطلب منه أن يؤم المصلين في أوقات كثيرة.

وكما ذكرنا كان في جامع النقي يرفع الأذان في أوقات الصلاة لسنوات طوال وخاصة عند الفجر، وكان كثيراً ما يمازحه المرحوم الحاج راشد الصغير ويقول له لماذا كل هذا الصراخ عند رفعك للأذان، فيتدخل الحاج شريان جاولي فيقول (مو لله عشان أم عبدالكريم تسمع صوته) ويقصد المرحومة زوجته، وبالمناسبة فقد كانا دوماً ما يمازحانه ويجادلانه كثيراً حول كيفية أداءه وقراءته للأدعية في الجامع، ولماذا يمدد بعض الكلمات بطريقة غريبة أو يشدد على بعضها بصورة غير مألوفة ويمازحانه بقولهم أنه سيؤدي إلى حدوث صراخ قوي قد يتسبب دويه بإقلاع المعلق الخاص بالقبة من مكانها أو انهيار القبة نفسها والتسبب بكارثة في المسجد، وكان رد فعل فقيدنا المرحوم الابتسامة وفى بعض  المرات مصحوبة بالغضب والتوتر وقول(انتوا اقروا الدعاء إذا فيكم خير أو بعد ما أقرا) وكان يتكرر هذا المزاح كثيراً بينهم وكانا أيضاً كثيراً ما يمازحانه بأنه السبب في تعطيل النظام الصوتي وخاصة الميكرفون الخاص بالجامع وكان يجابه كل ذلك بقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. وكان هذا نوع من المزاح بين الشيبة في الجامع والجدال بصورة لا تؤدي إلى الزعل أو التخاصم، أما نحن فكنا نعتبرها نوعاً من الترفيه البريء وكنا نتدخل كثيراً لمساندة المرحوم الحاج حسين بلند رحمه الله تعالى.

وفى احدى المرات وبعد رجوعه من السفر والزيارة على ما أظن من مشهد المقدسة، وعند مجيئه إلى الجامع وبعد غياب دام حوالى الأربعين يوماً، تقدم لتشغيل نظام الصوت واعداد الميكرفون ليرفع الأذان فأصاب النظام خللاً فجأة وتعطل النظام ولم يعمل الميكرفون كالعادة، فسألت العم المرحوم الحاج راشد الصغير ماذا حدث أجابني على الفور بأن السبب هو (حجى حسين) قلت له (خاف ربك على طول اتهمته، توه واصل من الزيارة) أجابني على الفور (أربعين يوم كان مسافر شفت يوم اخترب الميكرفون بس اليوم رجع ويبي يأذن فيه خربه) وبصراحة كان من الصدف التي تعزز غشمرة الشيبه له بأنه السبب دائماً في تعطيل نظام الصوت في الجامع .

كنت كثيراً ولمدة طويلة وسنوات عديده أزوره أيام الخميس صباحاً لأحتسي الشاي عنده والأهم من ذلك لأدخن القدو (الأرجيلة الإيرانية) عنده، وكانت المرحومة أم عبد الكريم هي التي تقوم بإعداده وتحضيره، وكان كثيراً ما يتواجد معنا الأخ العزيز عماد أشكنانى وبعد ذلك كنت اصطحبه إلى الجامع، أو لحضور مجالس العزاء إن وجدت والتي تقام عادة على أرواح المتوفين من المؤمنين. وفي أيام الربيع وعلى مدار عدة سنوات كنت اصطحبه رحمه الله تعالى إلى مخيماتنا التي كنا نقيمها في هذه الفترة لمرة أو مرتين وخاصة مخيم الغدير أو النشاط أو الهُدى، وكنا نذهب عدة مرات لنجمع (القلمان او الكاكول) وهو من الأعشاب والنباتات البرية المعروفة عند الكويتيين ويتواجد بكثافه في بر كاظمه القريب من مدينة الجهراء وبرفقة كل من العم المرحوم الحاج غلوم غضنفري والمرحوم العم الحاج راشد الصغير والعم الحاج شريان جاولي وكانت (نجرة الشيبة) تتخل الرحلة منذ بدايتها حتى النهاية.

وبعد تحرير دولتنا الأبية من العدوان الصدامي البغيض أعاد بناء منزله الكائن في منطقة الدسمة حيث قام بهدمه من الأساس وتشييده بشكل جديد وعلى شكل فيلا حديثة، واضطر بسبب ذلك أن ينتقل إلى منزل آخر  في (المقوع) بمنطقة شرق لمدة تناهز العامين، وكان خلالها من رواد مسجد بن نخي حيث كان يؤم المصلين فيه المغفور له سماحة العلامة السيد جواد الشاهرودي أعلى الله تعالى مقامه الشريف وجعل مكانه في معقد صدق عنده آمين رب العالمين. وفى هذا المسجد كان أيضاً يرفع الأذان ويقرأ الأدعية بعد الفراغ من الصلاة، وفى ليالي القدر المباركة كان يساهم بشكل رئيسي في تلاوة الأدعية والزيارات والأعمال الخاصة بها، وكان يضفي على أجواء المسجد نوعاً من الروحانية والخشوع يؤدى إلى سمو الروح وتفاعل المتواجدين مع صوته الشجي، وأداءه المميز وكان يساهم في ذلك بساطة المسجد وأثاثه وخدماته، وتواضع إمامه وكذلك المؤذن والحارس، وحتى المصلين وكنا نسميه مسجد المستضعفين، حيث كنا نحاول أن نجد بقعة نصلي فيها جماعة عند نزول المطر وذلك بسبب الخرير، وأما في الأيام المغبرة كان الأخ العزيز سيد جابر بهبهاني وكان هو الآخر من رواده يقول بأن الغبار الموجود داخل المسجد أكثر من الموجود خارجه.

ونذكر هنا أنه في احدى المرات نجا المرحوم الحاج حسين بلند هو وزوجته أم عبدالكريم بلطف إلهي عندما إنهار جدار غرفتهما بسبب خطأ ارتكبه مقاول جاره الذى كان يقوم بعمل نوع من الصيانة والترميم والهدم لمنزله، ولو لم تكن عناية رب العالمين لكانت عواقب ذلك وخيمة.

 رحم الله الباري عز وجل أبا عبد الكريم فقد كان بحق مثالاً للرجال الذين قضوا حياتهم بعيداً عن عقد الحياة وتشعباتها وصخبها، ولم يترك لها مجالاً أو فرصة للتأثير عليه وإشغاله عن الهدف الرئيسي الذى خلق من أجله أو الدخول في دوامة مادياتها التي تبعد القلب والعقل والفكر من خالقها ومدبر شؤونها. رحمه الله تعالى كان عصامياً طالباً للرزق الحلال يجاهد في سبيل ذلك وهو صغير السن إلى حين تقاعده، ومع العلم لم يتعلم حجي حسين قيادة السيارة ولم يقتني رخصة للسوق، وكان يذهب إلى عمله عندما عمل في الدولة أي في القطاع العام باستخدام وسائل النقل العامة، وكان مواظباً على عمله لا يغيب عنه ولا يستأذن من مسؤوليه بدون سبب لدرجة أنه كان يثير إعجابهم على الرغم من كبر سنه وكان يقوم بعمله بنفسه من دون تكليف غيره به وينهى واجبات عمله أولاً بأول، وكان من أولوياته أن يختم يوم عمله بالانتهاء مما يرد إليه من الدوائر الأخرى والاستعداد ليوم آخر دون تأجيل عمل اليوم إلى الغد كما نقول، وأظن أن جميع العاملين في القطاع الحكومي يدركون معنى ذلك، وكان يعلق على من يطلب منه عدم الاهتمام بعمله كل هذا الاهتمام وبهذه الصورة من المغالاة.. كان جوابه بأن المرء عليه أن يتقن عمله وأن يعيش من الكسب الحلال ويؤدي ما عليه من عمل بضمير حي يرضي ربه ونفسه وصاحب العمل.

فسلام عليك يا أبا عبد الكريم يوم ولدت ويوم انتقلت إلى خالقك ويوم تبعث حياً، وحشرك الله تعالى مع الأنبياء والمرسلين والأئمة المعصومين والشهداء والصالحين والمؤمنين والمتقين وحسن أولئك رفيقاً.



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: