فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





سيد رضا الطبطبائي - 27/04/2012م - 9:10 م | عدد القراء: 1441


استلم الحكم وترأس النظام القائد الضرورة صدام حسين، بعد أن تخلص من أعمدة النظام ورموز حزبه المشؤوم، ومن هم أكفأ منه تنظيمياً وفكرياً ونضالياً وأقدم منه حزبياً، واستخدم للوصول إلى ذلك أبشع الأساليب التي مارسها الطغاة عبر التاريخ وكان النظام قبل ذلك تخلص من عدد كبير من معارضيه من جميع التيارات والتوجهات السياسية والإسلامية والقومية والوطنية وقام بتصفية قادتها وزعماءها بصورة بشعة، بعدما أصدر من خلال ما يسمى بمجلس قيادة الثورة التعيس قراراً بتصفية وإعدام كل المنتسبين لحزب الدعوة الإسلامية، وكل من كان منتسباً له، وكل من تبرأ منه سابقاً وأعلن توبته عن الانضمام لهذا الحزب بعد صدور قرار سابق من مجلسه التعيس بالعفو عنهم، وطال القرار كل من تعاون ومن يتعاون مع حزب الدعوة الإسلامية، ومن يتعاطف معهم ويسهل أمورهم ويقدم لهم العون والمساعدة بأي شكل من الأشكال.

بعد ذلك بدأت حملة شرسة ضد الحزب وأعضاءه وجميع من وصفتهم الأجهزة الأمنية بالمشبوهين، واعتقلوا بطريقة وحشية وأسلوب قمعي يندر معرفة مثله في سجلات الطواغيت عبر التاريخ البشري والمسيرة الإنسانية، وشملت تلك الاعتقالات عدد كبير من العلماء والفقهاء وعلى رأسهم الفقيه المتبحر والمفكر الإسلامي الكبير سماحة آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر وأخته الجليلة العلوية الطاهرة آمنة الصدر (بنت الهُدى) اللذان أعدما ونالوا شرف الشهادة هما وعدد كبير من العلماء والشباب والمثقفين، وعدد كبير من المواطنين الذين لم يكن لهم ذنب سوى ذهابهم للمساجد وإقامة الصلاة فيها، كل ذلك تم أمام العالم أجمع، وعلى مرأى ومسمع من دعاة حقوق البشر، ومؤيدي الحريات العامة لجميع الناس، لكنهم كانوا (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) كما تقول الآية الكريمة، وكان كل ذلك تمهيداً لشن حرب ظالمة على الجمهورية الاسلامية الناشئة بزعامة قائدها المظفر الإمام روح الله الخميني الذي قاد أكبر ثورة في العالم على الإطلاق، بحيث انحنت أمام عظمتها وضخامتها وجلالة قدرها وقوتها ثورات الشعوب في مسيرتها عبر التاريخ، وفعلاً أقدم الطاغية صدام حسين بحربه على الإسلام في إيران أملاً منه بصد رياح التغيير التي ستعصف بالمنطقة، ومن بينها العراق، وفعلاً هاجم القائد الضرورة صدام التعيس إيران الإسلام واستمرت الحرب طوال ثمان سنوات أيضاً على مرأى ومسمع هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ولكنهم كانوا أيضاً من مصداق الآية الشريفة التي أوردناها سابقاً، ولا ننسى أيضاً أن هذه الحرب الظالمة كانت بمباركة وتأييد المستكبرين في العالم ودول المنطقة التي وقفت مع الشيطان وتعاهدت معه بدعم الطاغية صدام بكل الوسائل وعلى جميع المستويات، ولكن الله سبحانه وتعالى خيب آمالهم وأفسد ظنونهم وأفشل جميع مساعيهم للقضاء على هذه الثورة المباركة التي لبست ثوب العزة والكرامة بعد أن ألبس ثوب الذل والهوان الشيطان وأتباعه وبطانته المدحورة. ووضعت الحرب أوزارها ولم تهدأ المنطقة بعد من آثارها وارتداداتها فقام الطاغية بإشعال حرب أخرى، وذلك بتوجيه قواته المسلحة إلى داخل الأراضي الكويتية, واحتلال دولة الكويت لأسباب واهية تدل على نفسيته التواقة إلى الدمار والخراب، وقتل الناس وإبادة الحرث والنسل، ولكن الله عز وجل سلط عليه من اعتمد عليهم في حربه مع إيران، ورفاقه بالأمس، ليدمروا قواته داخل العراق والكويت وأجبروه على التقهقر والانسحاب، ولقنه الله سبحانه وتعالى درساً في مصير من يتعاون مع المستكبرين والجبابرة والطغاة لن ينساه أمثاله عبر القرون.

بعد الهزيمة المنكرة التي لحقت بالطاغية صدام وزبانيته ومن لف حوله، انتفض الشعب العراقي المسلم الأبي فيما عرف بالانتفاضة الشعبانية، مستغلاً الفرصة الذهبية للكارثة التي أحلت بالزعيم الضرورة وقواته، واستطاع الثوار في أيام معدودات أن يسيطروا على ما يقارب من خمسة عشر محافظة، ولاحت تباشير النصر، وأصبح مصير النظام القمعي إلى الزوال، ولكن مرة أخرى تدخل الاستكبار العالمي لينقذ صدام ونظامه من الزوال، وبإيعاز من بعض أنظمة المنطقة لخوفهم كما يدعون من المجهول الذى ينتظرهم، ووجود صدام مهزوم وضعيف أفضل من رئيس آخر لا يعلمون توجهاته وارتباطاته وسياساته.

ومن الجدير بالذكر، أنه وقبل بدء عمليات قوات التحالف لتحرير دولة الكويت، وجه رئيس الولايات المتحدة جورج بوش نداء إلى الشعب العراقي بأن يثور ضد نظامه القمعي الدكتاتوري، وأن يستغل الظروف المستجدة لوضع نهاية له، والتخلص منه إلى الأبد، ولكن سياسة المصالح وحسابات الربح والخسارة لعبت مرة أخرى دورها على حساب حرية الشعب العراقي، وحدث ما حدث، والقضية معروفة للجميع وأصيبت آمال وتمنيات العراقيين بكارثة أدهى وأمر مما سبقتها من كوارث، وكانت نتيجتها ما لا يقل عن سبعمائة وخمسون ألف شهيد، وعشرات الآلاف من المعتقلين، ومئات الآلاف من المشردين واللاجئين، ووضع بطش النظام واستخدامه للأسلحة الثقيلة والخفيفة نهاية مأساوية للانتفاضة الشعبانية وبدء مرحلة كارثية أخرى على الشعب العراقي، وسيطر الفقر والجوع والحرمان والمرض على المناطق التي شاركت بالانتفاضة، واستعمل النظام كل ما لديه من وسائل وبطش لمصادرة قوت الناس، والسيطرة على مصادر الرزق، ولعبت الاستخبارات ومجموعات الأمن المختلفة دوراً مخيفاً في إذلال الناس و معاقبتهم.

هذه صورة موجزة ومختصرة لما عاشه الناس في مناطق الانتفاضة، بحيث خيم عليها ظلام دامس، وظلم ما بعده ظلم، وحالة من اليأس سيطرت على القلوب و العقول، والإعدام مصير كل من ينتقد أصغر موظف عند الطاغية، والسكوت السمة الغالبة لدى جميع أفراد المجتمع وطبقاته من علماء ومفكرين، ومثقفين، الجميع مغلوب على أمره، ولا يحق له التعبير عما يختلج في قلبه، طبعاً فيما يتعلق بالوضع التعيس القائم.

في ظل هذا الوضع زئير أسد يدوي في أجواء العراق، وصيحة تعلو السماء، ودعوة للوقوف بوجه الظلم، وسيف يشهر لنصرة الدين والمذهب واستنكار لما تقوم به السلطة الديكتاتورية، من اذلال للشعب العراقي المظلوم، ودعوة للبس ثياب الحرية وخلع ثياب الذل والهوان، والسير في درب أبي عبد الله الحسين عليه السلام، لأن المرحلة والظروف تحتمان وتستوجبان كربلاء جديدة، وطف آخر، ودماء طاهره تهرق في ساحة المعركة، لبيان حقيقة النظام الفاشي، وإنقاذ الناس من بطشه، وممارساته الوحشية، وظلمه وقسوته، فلا مجال للاسترسال في التقية، والاستمرار في السكوت، والنأي عما يجري في الساحة.

هذه المرة صوت حق يخرج من الحوزة العلمية الشريفة في النجف الأشرف كالعادة يطلقه أحد أعمدتها، فقيه بمعنى الكلمة، عالم رباني، وثائر حسيني، عُرف فيما بعد بالليث الأبيض لارتدائه الكفن، وكانت لحيته البيضاء ووجهه النورانى يشعان قوة وتصميماً على انقاذ الشعب العراقي من محنته، وتحريره من سجنه وكسر الطوق الامني الذى فرضه النظام التسلطي عليه، مرددا شعار "نعم نعم للإسلام" مقابل شعار "نعم نعم للبعث" الذى كان يطلقه النظام، متى وأين؟ في صلاة الجمعة، وفي مسجد الكوفة، وبحق كان جديداً في طرح مثل هذا الشعار، وفي إقامته لصلاة الجمعة التي جمدت لوقت طويل، وعطلت منذ عهد بعيد.

بدأت المسيرة المباركة لتحرير الناس والثورة ضد النظام، وبموازاتها بدأت حملة من التشكيك والطعن في قائد المسيرة، وزعيم الثورة، وأقل ما قالوا عنه بأنه مرجع السلطة، وفقيه النظام، والبعض منهم اتهموه وأصحابه حتى بقتل المرجعين الشهيدين الغروي والبروجردي، وأخذت سهام التهم تنهال عليه حتى من كثير من المعممين الذين آثروا السكوت، ولم ينبسوا ببنت شفه على ما كان يقع من ظلم على الشعب المسكين، رغم كل ذلك استمر في جهاده، وتصديه للظلم والظالم وتجمع حوله الناس بشكل أحس النظام أن الخطر يحدق بكيانه، وقد يكون سبباً في زواله، وبدأ بالاتصال بالليث الأبيض لإثنائه، ومنعه من مزاولة ما يهدد كيانه، لكن رده العملي كان واضحاً بيناً لا شك فيه ولا ريب يعتريه.. النصر أو الشهادة.

ومن الأعمال الجليلة التي قام بهامرجعنا الشهيد الراحل خلال مسيرته الثورية، ورفعه لراية الجهاد:

- اقامته لصلاة الجمعة، وإحيائه لهذه الشعيرة المهمة في الإسلام والتي غيبت في العراق لحقبة طويلة من الزمن، حيث استطاع من خلالها أن يبث الروح مرة أخرى لدى أفراد المجتمع، لتبني الفكر الإسلامي الثائر الذى ينفتح على الحياة ويتحرك على أرض الواقع، بكل قوة وبلا تهيب، واصدار أوامره أيضاً لوكلائه المنتشرين في العراق لإقامتها في مناطقهم.

- تأسيس المحاكم الشرعية، وكان الهدف منها، إشعار الأمة ببعد السلطة عن أحكام الشريعة المقدسة، وسلب الصفة الدينية التي تلبست بها، وتشجيع الناس على التمسك بهويتهم الدينية.

- ارسال الوكلاء والمبلغين إلى أكثر المناطق، بحيث شملت المناطق المعزولة منها والبعيدة، وكان الشباب المؤمن الواعي المتحمس يعمل في أحلك الظروف، وكانوا من خلال عملهم مع الناس يشدونهم إلى منبع الفكر الأصيل أي إلى الحوزة العلمية الشريفة، وابعادهم عن الفكر الكافر الذي كان يتبناه النظام الظالم، وسحب ثقة الناس فيه. 

- كتابة فقه العشائر ومن خلاله استطاع أن يقتحم المجتمع العشائري البالغ التعقيد، ويسعى لحل مشاكلهم وفقاً لأحكام الشريعة، واشعارهم بأن ما يقومون به لحل مشاكلهم لا يتفق بل يتنافى مع أحكام هذه الشريعة المقدسة.

- اصداره مجلة الهدى كمحاولة للربط بين المركز (الحوزة) وبين جميع أفراد المجتمع وخاصة الشباب الحركي الذي بدأ ينظّم صفوفه للقيام بالثورة التي ستضع نهاية للظلم.

- رفضه المطلق للدعاء لصدام في جميع المناسبات وخاصة في صلاة الجمعة، وكان يؤكد ذلك لوكلائه.

- الهجوم القوي والمستمر على المستكبرين والمستعمرين وخاصة أمريكا وبريطانيا والكيان الصهيوني، واعتبارهم الأساس في مأساة الشعب العراقي. 

- حث الموظفين على عدم اطاعة المسؤولين وعدم تنفيذ أوامرهم في انتهاك حرمات الناس والتوبة مما قاموا به من انتهاك للحرمات.

- الاشارة بوضوح والاتهام المباشر للنظام الفاسد بمسؤوليته عن البؤس والجهل والفقر والمرض المنتشر في ربوع العراق.

- دعواته المتكررة، ومناشدته المتعددة، وطلبه الدائم من الجماهير بإحياء المناسبات الدينية، والشعائر الإسلامية.

- موقفه الواضح والمؤيد للعاملين في الساحة الإسلامية بكل أطيافهم وتوجهاتهم وألوانهم، وتصديه القوي للتيارات المنحرفة التي وظفت الدين للتستر على مآربها وأهدافها المتخلفة، وحصره في حلقات مغلقة، وممارسات بعيدة عن روح الإسلام تفوح منها رائحة التخلف، والتحجر.

- تأييده الواضح والصريح للثورة الإسلامية المباركة في إيران، ودعمه الكامل لقائدها المظفر الإمام روح الله الخميني، وعدائه التام والبين لمنافقي خلق، وأفتى بحرمة التعامل معهم بأي شكل من الأشكال والأمر بقطع التعامل معهم فوراً، وإنهاء العلاقة حالاً لكل من كان له اتصال أو علاقة معهم من خلاله اجوبته للاستفتاءات بهذا الشأن.

يروى بأن مولده جاء بعد أن يئست والدته من الحمل، وعند تشرفها بزيارة قبر الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أثناء موسم الحج توسلت بالنبي المصطفى وطلبت من الله عز وجل بأن يرزقها بولد تسميه (محمد) ،فاستجاب لها الله عز وجل، وكان ولدها الوحيد، وكانت ولادته المباركة في 17 ربيع الأول من العام 1362هـ الموافق 23 مارس 1943م، ويرجع نسبه الشريف إلى الإمام السابع موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام.

عاش مرجعنا الشهيد في كنف جده لأمه الشيخ محمد رضا آل ياسين، ووالده السيد محمد صادق الصدر، وكان الأول من المراجع المشهورين، ونشأ في وسط ديني متميز كان له التأثير الكبير في حياته.

تزوج من بنت عمه السيد محمد جعفر الصدر، ورزق منها أربعة أولاد هم: "مصطفى، مقتدى، مؤمل، منتظر"، وله بنتان هن زوجات لولدي العالم المعروف السيد كلانتر.

دخل الحوزة العلمية الشريفة في عام 1954م، وأصبح أحد أبرز تلامذة الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر الذي تعتبر مدرسته الفقهية والأصولية من أرقى المدارس في زمانه، ودخل أيضاً كلية الفقه عام 1960م، وتخرج منها عام 1964م، ودرس على يد مجموعة من كبار الأساتذة في الحوزة العلمية، من بينهم السيد أبو القاسم الخوئي، والسيد محمد باقر الصدر، والسيد محسن الحكيم، والإمام روح الله الخميني أعلى الله تعالى مقامهم أجمعين.

وكان رضوان الله تعالى عليه مثالاً للبساطة والتواضع، واعتبر البعض ذلك عيباً في شخصيته، واتهموه بالسذاجة، ولكن ذلك منحه حب الناس و تفانيهم فيه والانجذاب إلى شخصيته، وأصبح محبوباً للملايين في فترة وجيزة، واستطاع أن يبني تياراً اسلاميا قوياً في أعتى دولة ارهابية ودكتاتورية، كاد أن يعصف بنظامها، ويضع حدأ لتسلطها، وكان من شدة تواضعه لا يسمح لأحد اطلاقا أن يقبل يده.

اعتقل في عام 1972م، ثم عام 1974م، ثم عام 1991م أثر الانتفاضة الشعبانية المعروفة، وذلك بعد أن أصدر بياناً قوياً في تأييدها.

في عام 1975م عندما خرج من سجن النظام البعثي، انصرف إلى سلوك طريق المعرفة الإلهية، ومن كثرة بكاءه وتضرعه ودعاءه وصلاته كاد أن يتلف نفسه، وعندها طلب منه أستاذه السيد محمد باقر الصدر أن يكف عن ذلك، رفقاً بحياته، وكان على ما يروى قد توقع له مستقبلاً علمياً رائعاً، وأصبح بالفعل بعد ذلك مرجعاً وزعيماً، وتعتبر زعامته امتدادا لزعامة أستاذه الصدر الأول في التصدي للطغاة والظلمة، وكان يدعو إلى المرجعية الرشيدة، والتصدي لأمر المسلمين كافة، كما كان يدعو بذلك أستاذه الشهيد، وكان يحث على التفاعل مع مشاكل الناس وتطلعاتهم، واعدادهم للدفاع عن الإسلام والمسلمين، ومقارعة الظلم والظالمين، واستطاع سيدنا الجليل بذكائه الفائق، وزعامته الفريدة، أن يستثمر الهدنة بينه وبين النظام الفاشي، ليطلق مشروعه التغييري في أجواء الارهاب، والخوف، والتسلط، والضغط والحصار بكل قوة وعزيمه واصرار، وتحمل في سبيل ذلك ما لا تتحمله الجبال، وخاصة أولئك الذين كانوا يشككون في حركته ويثيرون الغبار في طريقه.

مرجعنا الشهيد السيد محمد صادق الصدر تعرض لما تعرض له كل عالم ثوري، وزعيم ديني يحمل هموم الأمه، ويقود الناس لمقارعة الظلم والكبت والحرمان والارهاب، ويدعو لإقامة الحرية والعدل والمساواة والسلام، وقف بعض المعممين الحاقدين والمتخلفين والمتحجرين ليوجهوا له خناجر الغدر والخيانة، ولم يتورعوا عن اتهامه كالعادة بشتى أنواع الاتهامات، ووصفه بمرجع السلطة وفقيه النظام، والمرء حقا يتعجب من موقف هؤلاء الذين تلبسوا بلباس الدين، وترعرعوا من بيت مال المسلمين، وكسبوا احترامهم بفضل الحوزة العلمية الشريفة التي لا يستحقون نيل شرفها والانتماء إليها، والذين يكررون ليل نهار بأن المرء قد يستحق الجنة والرضوان، إذا ذرف دمعة على أبي عبد الله الحسين عليه السلام الذي ووقف في وجه الظلم والطغيان والعدوان، ويقفون هذا الموقف البائس والعدائي من أحد أبناء الحسين عليه السلام الذى شهر سيفه ونزل إلى الميدان ليقارع الظلم والبغي والطغيان، ويخلص الناس من الوضع البائس الذى يعيشون فيه، ولا أدرى ماذا أعدوا للجواب غداً يوم القيامة عما ارتكبوه من جريمة بحق مرجعنا الشهيد، والبعض منهم لم يستفق إلا بعد أن استشهد السيد الجليل مع نجليه في النجف الأشرف على أيدى الطغاة فأخذ يؤبنه، ويصدر البيانات لاستنكار الجريمة البشعة التي ارتكبت في حقه، لقد احترنا مع هذا النوع من المعممين، وهذا النموذج من الحوزويين الذين يذكروننا ليل نهار، وعلى مدار السنة، بفضل المجاهدين والثائرين في وجه الظلم والظالمين، ويوردون الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، ويتكلمون عن مقام هؤلاء يوم القيامة وفي الجنة، وأنهم في أعلى عليين، وفى مقعد صدق عند رب العالمين، ويستقبلهم الرسل والأئمة عليهم السلام، وملائكة الله تعالى المنتجبين، ويزفونهم إلى جنات النعيم..، ولكنهم عندما يبدأ العلماء المخلصون بالثورة ويعلنون الحرب على الظلم والارهاب، والتمرد على الأنظمة الفاسدة الدكتاتورية والتي أشبعت المسلمين ذلاً وهوانًا، يبدأون بالتفنن في تلفيق التهم، واشاعة الشكوك والأسئلة التي لا هدف منها إلا الطعن والتشكيك في مواقف الثائرين الأبرار في محاولة لفصلهم عن الجماهير المتفاعلة معهم، وترديد عبارات مثل: "هل يجوز الخروج شرعا؟ وهل فقهاء الحوزة العلمية يجوزون ذلك؟ وإلى أين يجرون الناس؟ وكيف يعطون لأنفسهم حق إراقة الدماء؟ ويثيرون وجوب العمل بالتقية وانتظار الفرج، وما فائدة الخروج على الظالم، ومقارعة الظلم؟ وهل النتيجة سلبية أم ايجابية؟ وهل هذا الثائر أو ذاك مرتبط بالاستخبارات الأجنبية، أو المخابرات الاقليمية، أو الأمن الداخلي؟ وهل يستطيع عدد يسير من المجاهدين أن يواجهوا الآلة العسكرية للصهاينة والمستكبرين؟".

لأنهم هم وبحق ليسوا أهلاً للثورة، وغير مستعدين أن يقدموا أي شيء في سبيل الدين والمذهب، وانقاذ الناس من الظلم الذى يقعون فيه، وينتظرون الخلاص، بالراحة والنوم وبلا عمل و (ساكم الله بالخير) ، ويرددون دوماً، بأن النائم أفضل من القاعد، والقاعد أفضل من القائم، عندما تحين ساعة الصفر لمقارعة الظلم والظالمين.

كان مرجعنا الشهيد قوياً وصلباً في مواقفه، ولكنه مع ما تنبأ به من اغتياله وقتله، قال بلا خوف أو تهيب في حوار مسجل له في أواخر أيامه: (أنا أعيش في نفس الخطر، ومادام عملي فيه رضا لله سبحانه وتعالى، وفيه المنفعة العامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ الحوزة، فلماذا أخاف؟ وحتى لو ذهبت، فسيكون ذهابي في طريق الله سبحانه، وهو غاية المطلوب.. لقد استشهد الشيخ الغروي، والشيخ البروجردي، وقد أكون أنا ثالثهما) .

وقام سماحة المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله في 5 ذو القعدة 1419هـ الموافق 20 فبراير 1999م بمناسبة استشهاده بإلقاء كلمة من خلال ندوة السبت في حوزة المرتضى في منطقة الزينبية في سوريا قال فيها:

(لقد ظلم هذا الإنسان الكبير من قبل الطاغية، فلا تضيفوا إلى ظلامته ظلامة أخرى، لقد اغتاله النظام الطاغي جسدياً فلا تغتالوه معنويا) ، وجاء في مقدمة كلمته (عظم الله أجورنا وأجوركم وأجور المسلمين بهذا المصاب الجلل الذي استهدف عالماً كبيراً ومجاهداً، عاش حياته منذ شبابه وهو يدافع عن الإسلام، فقد كنّا ونحن في مجلة (الأضواء) في سنة 1380 هـ في النجف الأشرف، نستقبل شاباً طاهراً طيباً، الطهارة تفيض على وجهه، وتشعر بالروح الإسلامية تتحرك في كل مواقفه، كان يأتي بكلماته في الأضواء ليعالج قضايا لم يكن مجتمع النجف يعالجها آنذاك. انطلق وهو تلميذ ابن عمه الشهيد السعيد الصدر الذي تتلمذ عليه، وعاش حياته معه، وكان الشهيد الصدر يتنبأ بأنه سوف يكون له شأن كبير في حركة العلم والبحث والانفتاح، حيث كتب هذا في مقدمة موسوعة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) التي ألفها السيد محمد الصدر، وعاش آلام شهادة الشهيد السعيد وآلام شهادة أخته العلوية بنت الهدى، وعاش مأساة العراق، ودخل السجن وعاش الاضطهاد، وانطلق في خط المرجعية، وظلمه الكثيرون ولا يزالون يظلمونه عندما قالوا عنه "إنه مرجع السلطة" ، وقالوا عنه كلمات كنا نرى منذ البداية أنه يأثم صاحبها. إني أعتقد أن هؤلاء لو كانوا في زمن الأئمة عليهم السلام، لاتهموهم بولائهم للسلطة، لأن الذهنية هي الذهنية. لذلك إنني أتصور طيبته وطهارته وصفاء نفسه، وأتصور أنه كان يرى -سواء ناقشته في ما يرى أو لم تناقشه -أنه يستطيع أن يقوم بخدمة الإسلام، باعتبار ما يعتقده من تقية أو ما أشبه ذلك) .

وأضاف السيد فضل الله: (لم ينقل عنه في كل حركة مرجعيته أنه قال كلمة في السلطة بالطريقة التي توحي أنه يؤيِّدها، فمن الناحية السياسية أو الفكرية على الأقل، أنا لم أسمع ذلك ولم يُنقل لي ذلك، من الممكن أنه كان هناك نوع من الهدنة أو نوع من المداراة التي كان يرى باجتهاده أنها مشروعة، ولاسيما في العراق الذي تتميّز حكومته بأنها من أكثر الأنظمة شراسةً في الجريمة، لذلك أن تكون خارج العراق لتعلق على بعض المواقف شيء، وأن تكون في داخل الزنزانة حتى وأنت تتحرك في مدينتك شيء آخر) .

وأثنى السيد فضل الله على قيام السيد الشهيد بإحياء صلاة الجمعة والتي تعتبر من أهم الشعائر الإسلامية وقال: (وعندما جاءت صلاة الجمعة استطاعت أن تكون المتنفس للكلمة الدينية والموعظة والكلمة الإسلامية، ولذلك أيدناها بكل قوة، لأن صلاة الجمعة هي التي حرمنا منها في مدى القرون، لأنها الصلاة التي تجمع المسلمين في كل منطقه ليلتقوا بأجوائها، وليسمعوا الكلمات التي تتصل بحياتهم) .

وختم السيد فضل الله كلمته بالقول (لقد كان هذا الرجل مظلوماً، عاش من أجل الإسلام، ومات من أجل الإسلام، و علينا نحن أن نعمل ونحفظ البقية الباقية من الحوزة العلمية في النجف الاشرف، التي اغتالها النظام، وعن المراجع الذين كانوا ولا يزالون في خطر، رحم الله الفقيد و إلى روحه الفاتحة) .

شخصياً التقيت بمرجعنا الشهيد أيام شبابه في منزل الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر عندما ذهبنا للقائه مع الأخوين الجليلين حسين كاظم عبد الحسين وعلي حسن جمال في سبعينيات القرن العشرين وذلك للتشرف بزيارة مراقد الأئمة عليهم السلام في العراق وفي النجف الاشرف، طرقنا باب منزل السيد الشهيد محمد باقر الصدر وإذا بالباب ينفتح ويستقبلنا شاب معمم في مقتبل العمر ذو لحية سوداء ووجه تقرأ فيه البراءة والتقوى والورع والسماحة والبساطة ونور الإيمان وبعد السلام والتحيات وطلبنا لقاء السيد وأننا قادمون من الكويت صحبنا إلى داخل الديوان البسيط حيث دخل علينا السيد بعد دقائق ودار بيننا ما دار من الحديث بعد الترحيب بنا ولم نعلم من هو الشاب الذى كان في استقبالنا إلا بعد رجوعنا إلى الكويت حيث أخبرنا سماحة الشيخ محمد مهدى الآصفي حفظه الله تعالى باسمه وقرابته من السيد وأنه من تلامذته، ولم أسمع عنه أي شيء بعد ذلك حتى اعلانه رحمه الله تعالى لنهضته المظفرة وحركته الواعية باستثناء قراءتي لكتابه (موسوعة الامام المهدى عجل الله تعالى فرجه الشريف) .

لقد عاش مرجعنا الشهيد مظلوماً وغادر الحياة باستشهاده على أيدى الظلمة مظلوماً.

وفي الكويت لم يقم أحد بتأبينه أوعقد مجلس الفاتحة على روحه الطاهرة إلا مجلس حفل التأبين الذي أقامته حسينية دارالزهراء عليها السلام الكائنة في منطقة الدسمة في حسينية آل عمران العامرة في نفس المنطقة، وتم خلاله أيضاً عرض بعض الأفلام عن خطبه المشهورة أيام الجمع قبل إقامة صلاة الجمعة، وأقيم أيضاً مجلس عزاء بعد ذلك في حسينية الأحمدي.

وجدير بالذكر أيضاً أن حسينة دار الزهراء عليها السلام أقامت حفلاً تأبينياً في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد مرجعنا الراحل في نفس الحسينية العامرة، وقد قام بعض الأخوة بتوثيق ذلك من خلال تصويرهم لها ولكننا لم نعثر على هذه الصور حتى الآن ونأمل من الأخوة الذين لديهم بعضها تزويدنا بها لكى نقوم بعرضها على موقع شبكة البشائر الإسلامية.

رحم الله تعالى فقيد الأمة الإسلامية والحوزات العلمية وخاصة الحوزة العلمية في النجف الأشرف المرجع المجاهد السيد محمد محمد صادق الصدر وحشره مع الأنبياء والأولياء والرسول الأكرم محمد بن عبد الله وآله الطيبين الطاهرين.

 



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: