فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





سيد رضا الطبطبائي - 10/03/2012م - 9:32 م | عدد القراء: 1076


ونكمل حديثنا عن المدينة المنورة..

كان قبر خير البشر الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم محاطاً بمجموعة من الرجال، يقال لهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يمتازون بدشاديشهم القصيرة ولحاهم الكثيفة الطويلة وتغطي رؤوسهم "جماغات حمر" وأسلوبهم جاف وفج وينظرون إلى زوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظرات الشزر والتهكم، وكانوا يمنعونهم من الوصول إلى السور الذي يحيط بقبره الشريف الذي يتكون من الشبابيك المصنوعة من النحاس والفولاذ ومزينة بالمينا والذهب، وتعتبر هذه المنطقة من الأماكن المقدسة في المسجد النبوي الشريف ومما يضم المسجد النبوي:

- الحجرة النبوية الشريفة: وهي مكان دفنه صلى الله عليه وآله وسلم، وبيت فاطمة الزهراء عليها السلام، وبيوت بعض زوجاته، وفي الجهة الشمالية يقع بيت أمير المؤمنين عليه السلام وزوجته فاطمة الزهراء عليها السلام والذي أمر الله عز وجل بسد الأبواب المطلة على المسجد النبوي الشريف إلا هذا الباب، وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يأتي إلى هذا البيت ويتلوا آية التطهير لمدة لا تقل عن ستة أشهر، وإضافة إلى ذلك يشتمل المسجد النبوي الشريف على بعض الأماكن المقدسة والمباركة.

- الروضة النبوية: وهي بقعة مباركة بين بيت النبي أو قبره صلى الله عليه وآله وسلم ومنبره ولها مقام عظيم وفضل كبير ونقل عن الصادق عليه السلام إنما هي روضة من رياض الجنة لأن فيه قبر فاطمة عليها السلام حسب بعض الروايات فصلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين.

- المنبر: وكان في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتألف من ثلاث درجات، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب في الدرجة الثالثة.

- الأساطين: وهي الأعمدة الموجودة في المسجد، وهي المكونة من اسطوانة أبي لبابة، والاسطوانة المخلقة، واسطوانة الحرس، واسطوانة الوفود.

- محراب التهجد: يقع عند بيت سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام .

- الصفة: وهو المكان الذي خصصه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم للفقراء المعدمين من المهاجرين الذي لم يكن لهم مأوى ولا بيت.

وكان هؤلاء الآمرين الناهين يدفعون من كان يحاول الوصول إلى القبر الشريف لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويرددون كلمات "اتق الله يا شيخ ..لاتشرك ياشيخ ..هذا لايجوز ياشيخ" وكنا بنظر هؤلاء من المشركين وأصحاب بدع، وقد كانوا أيضاً يهينون ويزجرون بكل صلافة ووقاحة من يسألهم ويستفسر عن موقع القبر الشريف تحديداً، طبعاً هذا منطقهم وأما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد قال لعلي عليه السلام : "ياعلي من زارني في حياتي أو بعد موتي ضمنت له يوم القيامة أن أخلصه من أهوالها وشدائدها حتى أصيره معي في درجتي" فما هو موقف هؤلاء الآمرين الناهين يوم القيامة لا أدري، وقد روي أيضاً عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أتى مكة حاجاً ولم يزرني إلى المدينة جفوته يوم القيامة، ومن أتاني زائراً وجبت له شفاعتي، ومن وجبت له شفاعتي وجبت له الجنة، ومن مات في أحد الحرمين مكة أو المدينة لم يعرض ولم يحاسب، ومن مات مهاجراً إلى الله عز وجل حشر يوم القيامة مع أصحاب بدر" .

وفي القرآن الكريم تسلية للرسول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم عن الأعمال المشينة التي ارتكبها أمثال هؤلاء :

"إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ" الحجر 95

"وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ" النحل 127

"وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُل مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ" فاطر 4

"فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ" فاطر 8

"فَلَا يَحْزُنْك قَوْلُهُم إِنَّا نَعْلَم مَا يُسِرُّوْن وَمَا يُعْلِنُوْن" يس76

أما أمير المؤمنين عليه السلام فيصف أمثال هؤلاء قبل البعثة في خطبة نهج البلاغة (إِنَّ اللهَ سُبحانَه بَعَثَ مُحَمَّداً نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ عَلَى شَرِّ دِين، وَفِي شَرِّ دَار، مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجارَة خُشْن، وَحَيَّات صُمٍّ، تشْرَبُونَ الكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ الجَشِبَ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ، الاْصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَالاْثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ) وتصف سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام حالهم: (وتقتاتون القد، أذلةً خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم) .

أما نحن الذين نزور النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وآله الأطهار عليهم السلام نعتقد بما يقوله القرآن الكريم (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم بلغ مرتبة لم يبلغها أحمد من قبل ولا من بعد (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) .

ونعتقد بما يقوله عنه أمير المؤمنين عليه السلام "مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٍّ، وَمَنْبِتُهُ أشْرَفُ مَنْبِت، في مَعَادِنِ الْكَرَامَةِ، وَمَمَاهِدِ السَّلاَمَةِ; قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الأبْرَارِ، وَثُنِيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الأَبْصَارِ، دَفَنَ اللّهُ بِهِ الضَّغَائِنَ، وَأَطْفَأَ بِهِ الثَّوَائِرَ، ألَّفَ بِهِ إِخْوَاناً، وَفَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً، أَعَزَّ بِهِ الذِّلُّةَ، وَأَذَلَّ بِهِ الْعِزَّةَ، كَلَامُهُ بَيانٌ، وَصَمْتُهُ لِسَانٌ"، "أضاءت به البلاد بعد الضلالة المُظلِمة، والجهالةِ الغالبة، والجَفوة الجافية؛ والناسُ يستحلّون الحريم، ويستذلّون الحكيم.. يَحْيَونَ على فترة، ويموتون على كَفْرة" .

وما يقوله سيد الساجدين وزين العابدين الإمام علي بن الحسين عليهما السلام: "اللّهمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد أَمِينِكَ عَلَى وَحْيِكَ، وَنَجِيبِكَ مِنْ خَلْقِكَ، وَصَفِيِّكَ مِنْ عِبَادِكَ، إمَامِ الرَّحْمَةِ وَقَائِدِ الْخَيْرِ وَ مِفْتَاحِ الْبَرَكَةِ.." .

وأيضاً قد شاهدنا الآمرين الناهين في مقبرة البقيع والأماكن الأثرية الإسلامية الأخرى، وأما في الروضة ما بين القبر الشريف والمنبر كان الكل يصلي ويصطف من أجل أخذ الدور للصلاة فيها ثم في بعض الأماكن الأخرى منها موقع بيت أمير المؤمنين عليه السلام وفاطمة الزهراء عليها السلام .

وجرت العادة عندما كنا نغادر المسجد النبوي الشريف وقبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كنا نذهب إلى مقبرة البقيع المشهورة، ولم يكن الوضع كما هو الحال الآن، حيث كنا نمر من خلال المنازل القديمة والبيوت الطينية البدائية، والزقاق الضيقة، والأرض الترابية، وكانت المسافة تبدو طويلة بين المسجد والمقبرة، أما الآن فقد قامت السلطات بإزالة جميع المنازل واستبدلتها بالساحة الكبيرة التي نراها الآن، بالإضافة إلى الفنادق الكبيرة والمشاريع الأخرى، وكنا نمر من خلال تجوالنا على بقايا الحسينية التي كان يقوم ببنائها المرجع الديني الكبير السيد محسن الحكيم (أعلى الله تعالى مقامه الشريف) ولكن هذا البناء لم يتم وكان عدد من الأعمدة فقط قد ارتفعت فيها، وأصبحت مقراً للحيوانات الضالة، ومكاناً لتجمع النفايات مع كل أسف، وقيل لنا أن السلطات منعت إتمامها.

ومادمنا بذكر المرجع الديني السيد محسن الحكيم (قدس سره) والذي يعتبر من المراجع الكبار، ومن العلماء الواعين العارفين، ومن فقهاء الطراز الأول، علاوة على ذلك كان يلتف حول مرجعيته مجموعة من العلماء الشباب الذين كانوا معروفين بوعيهم وثقافتهم وإخلاصهم في العمل الإسلامي الجهادي العملي، والذين كان لهم الدور الأكبر بعد ذلك في تبني الإسلام الرسالي والتنظير له وبث روح العمل بين الشباب من أجل الإسلام ومقاومة كل أشكال الاستعمار الفكري والثقافي والسلوكي، والهيمنة على مقدرات المسلمين، والتصدي لكل نظريات الكفر والإلحاد والزندقة، والتي باعتقادي خلت الساحة منهم في أيامنا هذه. والجدير بالذكر أنه في هذه الفترة العصيبة من حياة النجف الأشرف ومع وجود علماء وفقهاء كرام ومراجع عظام كان الشباب المؤمن في النجف الأشرف أيضاً يشكلون العمود الفقري لجميع الأحزاب مثل الشيوعية والبعثية والقومية والعلمانية وحتى الأخوان المسلمين وحزب التحرير، وكان لمرجعنا الكبير ومن التف حوله الفضل في جذب الشباب المؤمن إلى الحركة الإسلامية الواعية النشطة التي أخذت تنتشر في أوساط الشباب بصورة كبيرة، وتنتقل أيضاً إلى الدول الأخرى، وهذا بحث مفصل يمكن للمرء أن يراجع فيه بعض المسطور في الكتب والموجود في الصدور عند أهل العلم والعمل.

ومن الأمور اللطيفة والأحداث الفريدة التي تروى عن مرجعنا السيد الحكيم (قدس سره) بأنه عندما أتم تعليقاته وشرحه على العروة الوثقى الذي بلغ مجلداته أكثر من عشرون مجلداً، استخار الله سبحانه وتعالى في تسمية هذه المجموعة بعد أن احتار في تسميتها، وعندما فتح القرآن الكريم والسفر العظيم إذ الآية الكريمة (22) من سورة لقمان "وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ" ويقال أنه قال بأننا سلمنا وجهنا إلى الله سبحانه وتعالى واستخرناه، وأنا محسن –اسمه-وكتبنا هذا شرح على العروة الوثقى التي هي أيضاً جزء من الآية الشريفة، وما دام ورد فيها "فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى" فإنه من المناسب جداً أن نسمي الكتاب (مستمسك العروة الوثقى) .

ومن اللطائف التي تروى عنه أعلى الله تعالى مقامه الشريف أنه أعلن العيد على شهادة أحد الشباب المؤمن الذي راجعه وادعى رؤية الهلال، وبعد أن سأله سيدنا الجليل عن موقع وشكل الهلال ووقته، سأله "هل أنت لابس قحفية؟" فتحسس الشاب رأسه وقال "نعم سيدنا" ثم سأله ثانية "ما لونها؟" فوضع الشاب يده على رأسه وأخذها ثم نظر إليها وقال لسيدنا الجليل "إنها بيضاء مولانا" عند ذلك قام المرجع السيد محسن الحكيم رضوان الله تعالى عليه بإعلان العيد على شهادة هذا الشاب المؤمن بدون أن ينتظر شهادة الآخرين، وقال السيد الحكيم "أن هذا الشاب قبل أن يبدأ بالجواب يتأكد مما يقوله ويتحقق في ذلك كما رأيتم في السؤالين والجوابين السابقين، وإنه في غاية الدقة والتحقيق ولهذا قبلت شهادته وأعلنت العيد".

ومما يحسب لهذا المرجع الكبير موقفه المبدئي والعقائدي من الأحزاب الكافرة والتي كانت تملأ الساحة آنذاك، وخاصة الساحة العراقية، حيث تصدى لها بكل قوة، وبما كان يملك من تأثير وعندما أصدر فتواه بحق الشيوعية وقال (إن الشيوعية كفر وإلحاد) كان بمثابة حكم بالإعدام أصدره مرجعنا الكبير على الحزب الشيوعي العراقي والذي كان المنتسبون لهذا الحزب لهم اليد الطولى في الساحة العراقية، وكان لهم التأثير القوي والمباشر فيها، وكان الحزب الشيوعي قاب قوسين أو أدنى من السيطرة على الحكم والنظام في العراق، ومن الغريب كما قلنا أن الأكثرية الساحقة من أعضاءه كانوا من المسلمين الشيعة الذين عاشوا فراغاً فكرياً، وكاونوا يميلون لمن يدعو إلى الحرية والعدالة والمساواة، والأغرب من ذلك أن من الشعارات التي كانت ترفع في تجمعاتهم ومسيراتهم وتظاهراتهم "حزب الشيوعي في الحكم مطلب عظيم.. ياعلي الله أكبر" !!!

ومما يمكن الاستدلال به على مدى تأثير المرجع الراحل الكبير ومن كان حوله من العلماء والمفكرين الذين أخذوا على عاتقهم نشر الفكر والوعي الإسلامي والتنظير له، أن شبلي العيسمي وهو أحد أركان النظام في ذلك العهد قد زار في هذه الفترة جامعة البصرة فاستقبله الشباب المؤمن هناك بلافتات كتب عليها (الإسلام هو الحل الوحيد) فكان أن استشاط غضباً وقال "إن الرجعية وصلت إلى الجامعة أيضاً".

ونرجع إلى جنة البقيع حيث كانت المقبرة قديمة، والقبور متناثرة في كل مكان ولا ترى منها إلا بعض الشواهد الصغيرة والتي تحدد طرفي القبر من الرأس ورجل المتوفي، وكانت الطرق التي تفصل بين القبور ضيقة جداً ولا يستطيع المرء السير فيها بمرونة وراحة في الظروف العادية ناهيك عن أوقات الازدحام، وكانت خصلات الشعر وبواقي العظام تنتشر فيما بين القبور، ولكن بصراحة كان للمقبرة هيبتها وجلالها وعبرة لمن يعتبر .

وبعد أن دخلنا المقبرة الشريفة توجهنا أولاً إلى قبور الأئمة الطاهرين عليهم السلام التي كانت مستوية مع الأرض وخالية من كل علامة أو اسم أو أي شيء يدل عليها، وبعد السلام عليهم وزيارتهم عليهم السلام بل وأثناء ذلك كانت المقارنة بين قبورهم الشريفة وقبور بقية أهل البيت عليهم السلام في العراق وإيران ترسم لنا صورة ما تعرض له أئمتنا الأطهار عليهم السلام من ظلم وعدوان، ففي العراق وإيران ترى العتبات المقدسة بصورة تعبر عن مكانتهم ومنزلتهم وعظيم شأنهم في قلوب المؤمنين والذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل إظهارها بما يتلاءم مع مقامهم عليهم السلام، ولا داعي للكتابة هنا كثيراً عنها، لأن من يقوم بزيارتها والتشرف بالتواجد فيها يعرف ذلك جيداً، وحتى بعض أبناء الأئمة عليهم السلام وأحفادهم وأحفاد أحفادهم قد لقوا التعظيم والتكريم وعلو الشأن في دول مثل العراق وإيران وسوريا ولبنان ومصر والمغرب العربي، ويقيمون المسلمون هناك الاحتفالات الرائعة عند قبورهم المطهرة وعتبانهم المقدسة، ولكن هنا في البقيع يرقد الأئمة الأطهار عليهم السلام بدون أي علامة أو إشارة أو لوحة إرشادية تدل على قبورهم الطاهرة، وهذا حال جميع الصالحين الذين يرقدون فيها، واللوحة الوحيدة التي يمكن للمرء أن يراها أو يقرأها هي التي تنهى عن زيارة القبور وتعتبرها نوعاً من الشرك والخروج عن العقيدة، وما يزيد المؤمن حسرة وحزناً وجود بعض الذين يقولون عنهم "الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر" وهم أبعد من ذلك، وتسمع منهم نفس الاسطوانة "شرك.. ولا يجوز ولا تشرك ياشيخ" والبصق بين فترة وأخرى بطريقة مشمئزة وكريهة تنبىء عن تخلفهم وتحجرهم وسوء أخلاقهم ومعاملتهم لمن تشرفوا بزيارة قبور الأئمة الطاهرين عليهم السلام وحتى كما ذكرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

ويستذكر المرء في رحاب المسجد النبوي الشريف ومقبرة البقيع كم عانى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام في سبيل الإسلام وتعاليمه وأخلاقه وأحكامه.

وإذا كان هذا حال "الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر" في القرن العشرين الميلادي، فما كان حال الذين عاشوا أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرين عليهم السلام، فكم ضحوا وعانوا عليهم السلام وتحملوا المصائب في سبيل هذا الدين الذي أصبح تحت رحمة هؤلاء الذي يترحم المرء على أبي لهب وأبي جهل وعبد الله بن أبي عندما يتعامل معهم، وأظن أن زوار رسول الله وآله الطاهرين والصحابة المنتجبين أجرهم يتضاعف مرتين، مرة بسبب الزيارة وأخرى بسبب الآمرين والناهين.

ومرة أخرى كنا نتألم ونتحسر على حال قبور الأئمة الطاهرين عليهم السلام، والذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فهم أهل بيت النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعدن الرحمة، وخزان العلم، وهم بحق أبواب الإيمان وأمناء الرحمن وأركان البلاد وساسة العباد، وهم الذين قيل في حقهم أنهم أعلام التقى ومصابيح الدجى وكهف الورى وورثة الأنبياء وحجج الله على أهل الدنيا والآخرة والأولى، وهم الدعاة إلى الله عز وجل والفائزون بكرامته الذين اصطفاهم بعلمه وأعزهم بهداه وانتجبهم لنوره وأيدهم بروحه وفرضهم حججاً على عباده، وجعلهم خزنة لعلمه وأعلاماً لعباده، وهم الذين دعوا إلى الله سبحانه وتعالى بالحكمة والموعظة الحسنة وصبروا على ما أصابهم في ذلك، وجاهدوا حق الجهاد وأقاموا الصلاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وهم الذين من أحبهم فقد أحب الله، ومن اعتصم بهم فقد اعتصم بالله، فهم شفعاء دار البقاء عليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

وعلى أي حال كان الزائر المؤمن يردد عند قبورهم (أشهد الله وأشهدكم أني مؤمن بكم وبما آمنتم به) .

وفي بقيع الغرقد والذي يعد أكرم بقعة في المدينة المنورة بعد القبر الشريف لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسجد النبوي الشريف، حيث دفن فيها عدد من ذرية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأزواجه وأصحابه والتابعين وجمع من الصالحين ومن العلماء ويقال بأن عددهم قد تجاوز العشرة آلاف، ودفن في هذه المقبرة الأئمة المعصومين عليهم السلام :

- الإمام الحسن بن علي المجتبى عليهما السلام

- الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام

- الإمام محمد بن علي الباقر عليهما السلام

- الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام

 

وفيها قبور بنات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم بناته أو ربيباته، زينب وأم كلثوم وقبور صفية وعاتكة عمتا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأم البنين فاطمة بنت حزام زوجة أمير المؤمنين عليه السلام وهناك قبور لزوجات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما عدا ميمونة وخديجة، وكذلك لعبد الله بن جعفر، وعقيل بن أبي طالب، وسفيان بن الحارث بن عبدالمطلب، وإبراهيم بن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وعثمان بن مظعون، وقبر حليمة السعدية، وقبر إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، وقبور بعض شهداء أحد والحرة، وقبر فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين عليهما السلام .

وفي المدينة المنورة يقع قبر سيدنا عبد الله بن عبد المطلب والد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ويقال بأن العثمانيون قد اهتموا بهذا المقام، ولكن لا أثر له في يومنا هذا، وهناك أيضاً كما ذكرنا مقبرة شهداء أحد ويرقد فيها حمزة بن عبدالمطلب ومصعب بن عمير وعبد الله الأنصاري ومبشر بن عبد المنذر وعمر بن الجموح ومجموعة كبيرة من الشهداء، ويوجد أيضاً عدد من المساجد مثل مسجد قباء ومسجد القبلتين ومسجد الفتح ومسجد الغمامة ومسجد المباهلة ومشربة أم إبراهيم.

وتضم المدينة المنورة مجموعة كبيرة من الأماكن والبقع الأثرية المختلفة والتي يصعب التعرف عليها في هذه الأيام.

الوصول إلى مكة المكرمة

وصلنا إلى مشارف مكة المكرمة شعث غبر، منهكين ومتعبين، ولم يدخل في جوفنا إلى قليلاً من الماء والأكل، لأن الوضع لم يكن ليسمح لنا بذلك، وكنا نصعد الشاحنات عموماً عن طريق التسلق من أطرافها أو بمساعدة الآخرين الذين دخلوا الشاحنات بهذه الطريقة، ولم تكن هناك سلالم لهذه الغرض إلا واحداً أو اثنين وكان لا يغطي عدداً كبيراً من الحجاج، وقد تم الاعتراض على ذلك، وفي إحدى المرات وقع أحد الحجاج من على أحد هذه السلالم وأصيب بقدمه نظراً لرداءة السلم وعانى من الألم طيلة الرحلة.

دخلنا المنزل المخصص لنا كمجموعة، وهو عبارة عن منزل من طين، وكان بدائي وصغير وكئيب، بخدمات متواضعة لا يسعنا جميعاً نساءً ورجالاً، طبعاً الأولوية كانت للنساء ومن ثم للرجال، كان كاتب هذه السطور مع بعض الأخوة الآخرين ومنهم الأخ أحمد لاري بدون مأوى ولا سرير (على فكرة لا توجد أسرّة) بل ما كنا قد جلبناه معنا من بطانيات وشراشف، اضطررنا إلى الذهاب للسطح للنوم، وحيث كانت الغرف المخصصة لنا مع الآخرين لا تسعنا، فكان يمكننا فقط أن نضع حاجياتنا فيها وأما النوم فدبر أمرك بنفسك، وكانت كل محاولاتنا مع صاحب الحملة وابنه لإيجاد مكان آخر للسكن والراحة تصطدم بالرفض، على كل حال دبرنا أمورنا بطريقتنا الخاصة، وكنا ننام على السطح، وعند الفجر نتهيأ للصلاة، وبعد ذلك نقضي أوقاتنا في داخل المنزل بالجلوس في الممر المؤدي إلى الباب الذي يطل على الشارع الترابي.

نحن الآن في مكة المكرمة حيث جاء في القرآن الكريم (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) ، (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) .

ذهبنا محرمين إلى المسجد الحرام، وعند وقوع نظرك على الكعبة المشرفة وجموع الطائفين تشعر بنوع آخر من الروحانية والسمو الروحي وإخلاص العبادة، فها هي الكعبة المشرفة التي نتوجه إليها يومياً لأداء الصلاة هي أمامنا ننظر إليها، وهي تقف شامخة يطوف حولها المسلمون يطلبون من الباري عز وجل ما يريدون، ويؤدون العبادة خالصة لله تعالى وهم يلبسون الأبيض ويسيرون معاً في أمواج بشرية من جميع الأجناس من بلاد العرب ومن إيران وتركيا وباكستان والهند وأفغانستان ومن الشام وشمال أفريقيا ومن اندونيسيا وباقي الدول الإسلامية.

أخذنا موقعنا كمجموعة قبل الحجر الأسود وبدأنا الطواف وعند الانتهاء من الأشواط السبعة صلينا خلف المقام وثم ذهبنا لكي نتم أعمالنا بالسعي بين الصفى والمروة والتقصير، وكان الجو حاراً حسبما أتذكر وكانت الأرض التي تحيط بالكعبة المشرفة من الرخام الأسود الذي يشوي أرجلنا أثناء الطواف، ومما كان يزيد في مضايقتنا التدافع والفوضى والصراخ والعويل من الذين يقعون ضحية لذلك التدافع وخاصة كبار السن والنساء، وكانت الساحة التي نطوف فيها مليئة بالحصى التي كانت تتناثر من خلال دخول بعض الحجاج في الأحواض التي كانت تمتلىء بها حول الكعبة المشرفة والتي تم إزالتها بعد ذلك وتبديل الرخام الأسود بالأبيض.

انتهينا تقريباً من أعمال عمرة التمتع، وغادرنا الحرم الشريف إلى المنزل، وقمنا بغسيل لأجسادنا بعد هذه الرحلة الطويلة الشاقة في حمام بدائي.

لم تكن مكة المكرمة بأحسن حال من المدينة المنورة، فالبيوت قديمة والطرق ضيقة، والأسواق مزدحمة أيضاً، وبين فترة وأخرى كنت وأنت تشق السوق بين جموع الناس تسمع أحدهم يقول بصوت عالٍ (خشب.. خشب) وعندما كنا ننظر إلى مصدر الصوت ترى أحدهم وقد حمل حديداً والبعض الأخر حمل مطارح اسفنج أو حتى مشروبات عادية فما علاقة (خشب.. خشب) بكل هذا..! بعد ذلك علمنا بأن (خشب.. خشب) صيحة التحذير التي يطلقها كل من يحمل بضاعة ويخشى أن يضايقه الآخرين من خلالها، ويدعوهم إلى فتح الطريق أمامه.

في المسجد الحرام وعند الكعبة المشرفة تعرفنا على الحجر الأسود، والمستجار، والأركان الأربعة وميزاب الرحمة، وحجر إسماعيل عليه السلام، والشاذروان، والحطيم، ومقام إبراهيم عليه السلام، وبعد ذلك جبلي الصفا والمروة والمسعى وأبواب المسجد الحرام.

ومن الأماكن الشريفة والأثرية التي تعرفنا عليها جبل أبي قبيس، وشعب بني هاشم وقيل أن منزل عبد الله بن عبد المطلب والد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يقع فيه، وكانوا أيضًا يذكرونا بدار السيدة الجليلة خديجة عليها السلام والتي ولدت فيها سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام وجبل النور ومسجد الجن.

زرنا أيضًا مقبرة المعلى أو مقبرة قريش، وتعرفنا على مراقد عبد المطلب و عبد مناف وأبي طالب والسيدة خديجة بنت خويلد زوج الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والقاسم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآمنة بنت وهب وكانت زيارتنا لهذه المقبرة العظيمة الوحيدة حيث تم إغلاقها بعد ذلك أمام الزائرين.

غادرنا مكة المكرمة إلى منى وعرفات وبنفس الطريقة وعلى نفس الشاحنات، وكل يحمل ما يحتاجه لأيام تواجدنا في عرفات والمزدلفة ومنى من ملابس وفرش للنوم.

في عرفات كنا تقريبًا اليوم كله تحت أشعة الشمس وقضينا ذلك اليوم بالتأمل والتفكر والدعاء ولم تكن هناك خيم أو قطع مخصصة لكل حملة أو دولة كما هو الحال الآن، المهم تواجدنا في عرفات، وركبنا الشاحنات مرة أخرى بعد مغيب الشمس للذهاب إلى مزدلفة حيث الطرق ترابية والغبار يتصاعد من كل جانب، والمنطقة مظلمة والفوضى عارمة والشاحنات تتداخل بعضها ببعض والتسابق بينهم للوصول إلى مزدلفة.

على كل وصلنا إلى منطقة قيل لنا أنها المزدلفة ويجب علينا الآن النزول من الشاحنات لجمع الحصيات التي سوف نستخدمها في رمي الجمرات الثلاث، وفعلاً بدأنا وبالاستعانة بالمصابيح الصغيرة اليدوية والتي تعمل على البطاريات لجمعها، وكانت المنطقة ملوثة، وكنا نخشى أن تتنجس أجسادنا وما نلبسه من ثوبي الإحرام، طبعًا كان ذلك على الجبال الواقعة في المزدلفة.

وركبنا الشاحنات مرة أخرى وذهبنا لنستقر في المكان المخصص لنا ، وتصور أخي القارئ - في هذه الأيام -التي أصبحت المزدلفة منظمة و فيها كل الخدمات والإنارة تغطي المنطقة، لا يوجد مكان مخصص بالذات لحملة أو حجاج دولة معينة فكيف كان الحال في تلك الأيام.

وقفنا في المزدلفة بين الطلوعين وذهبنا لرمي جمرة العقبة الكبرى وانتظرنا بعد ذلك لنشتري الهدي وللذبح، بعد ذلك توجهنا إلى المخيم الخاص لنا في منى ولهذا الغرض أخذنا قسطًا من الراحة، لابسين ثوبي الإحرام وننتظر وصول الحجبات لكي نتأكد من أداء أعمالهن، ونحن في حال الانتظار هذه سمعنا دوي بعض الإنفجارات ورأينا أعمدة الدخان الكثيف وألسنة اللهب تتصاعد في الفضاء، يا للهول ماذا حدث ؟! حدث ما لم يكن بالحسبان انفجار أنبوب غاز أدى إلى اشتعال الخيم والتي تحتوي أصلاً على مواد وأثاث قابلة للإشتعال مثل البسط والإسفنج، عمت الفوضى المنطقة وكل يريد أن ينفذ بجلده وأصحاب السيارات الكبيرة والباصات بدؤوا بالحركة خوفًا من أن تأتي ألسنة النيران على سياراتهم، والكل يحاول الفرار، والسيارات شلت حركتها، والحجاج يتوجهون إلى المناطق البعيدة عن الحرائق، ولكن تداخل السيارات وتدافع الناس في منطقة صغيرة أدى إلى وقوع إصابات كبيرة بينهم، أما في مخيمنا نحن فقد اتخذنا القرار بالذهاب إلى المزدلفة مشيًا على الأقدام وتفاديًا للدخول في الزحام الشديد، وخاصة أن الطائرات العمودية الخاصة بالسلطات الأمنية السعودية كانت توجه الناس من خلال مكبرات صوت كبيرة، لإخلاء منطقة منى، وتدعو المتواجدين بالقرب من المزدلفة للذهاب إليها، أما الحجاج الذين كانوا أقرب إلى مكة المكرمة فالتوجه إليها، وخلال فرارنا من منى إلى المزدلفة اجتزنا عدد من المخيمات الخاصة بالحجاج والتي أصبحت شبه خالية منهم، وكان مقر بعثة الحج الكويتية والتي دخلناها كي نختصر الطريق خاوية على عروشها ولم يبقى فيها أحد، الهدوء كان يسيطر على المخيم لعدم تواجد أحد فيه، وكانت هناك بعض سيارات الإسعاف واقفة تنتظر من يحركها.

يتبع في الحلقة الثالثة



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: