فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





الشيخ علي حسن غلوم - 05/03/2017م - 11:08 ص | عدد القراء: 432


ــــ في الأسبوع الماضي في ضمن حديثي حول الموقف من تعديل المادة 79 من الدستور، أشرت إلى الروحية والعقلية الإقصائية التي يعيشها البعض.


ــــ وكنت قد أشرت إلى دور تبنّي مضمون خبر الفرقة الناجية، اثنتان وسبعون فرقة في النار، وواحدة فقط في الجنة، في خلق مثل هذه الروحية والعقلية الإقصائية.


ـــ أود أن أتحدث اليوم عن عامل آخر يؤدي إلى تكوين هكذا عقلية وروحية غير سوية.. وأؤكد على أنها غير سوية، لأنها تخالف الغاية الإلهية من التنوع البشري: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات:13].. فهل في الآية حديث عن إقصاء وإلغاء الآخر أم التعايش؟


ـــ من عوامل خلق هذه العقلية والروحية غير السوية: خصخصة العلاقة بالله سبحانه وتعالى.


ـــ نحن نعرف ما هي الخصخصة في عالم الإدارة والاقتصاد ونتفهمها.. ولكن القرآن يحدثنا عن نوع آخر من الخصخصة، وهي خصخصة العلاقة بالله!


ــــ (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) .


ـــ هذا الإله لنا نحن.. ونحن المدلَّلون عنده.


ـــــ ومن المعلوم أن الأب إذا أحب أبناءه بشكل كبير ودللهم فإنه يتغاضى عن أفعالهم السيئة، ويرى القبيح منهم جميلاً، بل ولربما يبرر لهم أفعالهم القبيحة، وقد يصل إلى حد تحريضهم على الآخرين! هكذا صوّروا علاقة الله بهم وعلاقتهم به.


ــــ وبعد أن يصدّق الإنسان هذه الفكرة المشوهة للعلاقة بالله ويتبناها ويربي عليها الأجيال، تظهر بالتبع فكرة أخرى ذات آثار عملية من بينها ما جاء في قوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [آل عمران:75-76] .


ــــ الفكرة الفرعية لخصخصة العلاقة بالله هي: (قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ).


ـــ أي أن كل التصرفات مباحة بحق الأغيار الذين لا يلتقون معنا في الدين والفكر.


ـــ وواحدة من الآثار العملية لذلك: (وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ).. خيانة الأمانة! هذا هو الفعل.. وذاك هو المبرر.. والخصخصة هي المنطلق.
ـــ وأما الجواب الإلهي لكل هذا التشويه والتلاعب في المفاهيم الإيمانية فتضمنتها الآيات السابقة:


ـــ (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا)... الكل سواسية أمام الله من حيث المبدأ.


ــــ (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)... الجميع سيُحضَرون ويقفون بين يدي الله للحساب والثواب والعقاب.


ـــ (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء).. لا أحد يملك الحصانة يومئذ.. لا توجد فئة مدللة ذات امتيازات.


ـــ (مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).. (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).. بالتقوى يتمايز الناس بين يدي الله.. التقوى التي تنعكس على مستوى العمل، ومن مصاديقه الوفاء بالعهود مع كل الناس مهما اختلفوا في انتماءاتهم الدينية والعرقية والقبلية وسائر ما يتمايز به الناس.


ــــ إن فكرةَ ((نحنُ أبناءُ اللهِ وأحباؤه)) لا تقتصر على اليهود والنصارى، فهذه الخصخصة في العلاقة مع الله يتبناها كثيرون في الدائرة الإسلامية، وهي من أخطر منافذ الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء، فهي ترسم معالم علاقةٍ مشوهةٍ بين العبد والمعبود، وتصوِّرُ له امتلاكَ حصانةٍ سماويةٍ وهمية، تدفعُه نحو تبنّي الروحية والعقلية الإقصائية التي تُبيح له فعلَ ما يشاء تجاه الآخرِ المختلِف، وإن بلغَ هذا الفعل مستوىً مرتفعٍ من الجريمة في العرف الإنساني وفي الحكم الشرعي. وهذا ما يفسّر لنا استسهال وتسويغ القيام بجرائم الإرهاب والقتل والحرق والاغتصاب والإبادة الجماعية التي تُقدم عليها الجماعات التكفيرية بدمٍ بارد. وإن كانت هذه الجماعات التكفيرية هي المصداق الواضح لهذه الخلل الفكري، فإن في أوساطنا مَن يحمل هذه البذرة ويسعى لزرعها من خلال التحريض على كراهية الآخر، وفعل ما من شأنه خلقُ فتنةٍ عظمى بين المسلمين، وكل ذلك بدعوى الغيرةِ على أهلِ البيت عليهم السلام والثأرِ لهم واستردادِ حقوقهم المسلوبة!

إنَّ مسؤوليةَ الانتماء إلى الإسلام تُحتِّم علينا نشرَ ثقافةِ التعارفِ وتقبّلِ الآخرِ المختَلفِ دون أن يعني ذلك التخلي عن مسؤولية الدعوة، ولكن بالحكمة والموعظة الحسنة.



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: