فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





الشيخ علي حسن غلوم - 27/01/2017م - 11:30 ص | عدد القراء: 263


الخطبة الأولى: صخرة بريجيت غابرييل

ـــ قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) الشورى:52.


ـــ هذه باختصار شديد هي قصةٌ الرسالة المحمدية، وحقيقة القرآن، وواقع الإسلام الذي يجب أن نبرزه، وأن ندافع عنه، في كل هذا الجو المشحون ضده من حولِنا، وكل الممارسات السلبية التي تمارَس باسمه

ــ في أجواء الانتخابات الأمريكية، انتشر مقطع فيديو للسيدة الأمريكية اللبنانية الأصل (بريجيت غابرييل)، واسمها الحقيقي (حنان قهوجي)، تقول في بدايته أنها ستعمل في غضون خمس دقائق على سحق وتهشيم الإسلام الذي امتد لألف وأربعمائة عام


ـــ المقطع جاء ضمن دعاية انتخابية قامت بها لصالح الرئيس الحالي للولايات المتحدة، ولصالح الكيان الصهيوني أيضاً، ووظفت ما طرحته سياسياً بامتياز


ـــ وهذا كله مفهوم إذا عرفنا أنها انتقلت خلال فترة احتلال الصهاينة لجنوب لبنان من بلدتها الجنوبية إلى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعملت هناك كإعلامية في إحدى القنوات التبشيرية المسيحية ضمن نشاط جماعة الصهيونية المسيحية

ــــ ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة وعملت في المجال الإعلامي المتخصص في صناعة الكراهية ضد الإسلام، ونشطت بفاعلية ضمن جماعة الصهيونية المسيحية رافعة شعار: (ثمة سرطان ينهش العالم يُدعى الإسلام الفاشي، ومصدره القرآن). 

ـــ فما هي الإشكالات التي طرحتها؟ وهل استطاعت بالفعل أن تسحق الإسلام في دقائق؟ 


ـــ لنا في الخطبة الثانية بإذن الله وقفات سريعة ومختصرة مع بعض ما ذكرته في هذا المقطع

 

 

الخطبة الثانية: الإسلام وأهل الكتاب

1ـ ذكرت المتحدثة أن خطابها يأتي لبيان الاختلاف الكبير بين الحضارة الغربية وبين العالم الإسلامي.. متهمة الإسلام والمسلمين عبر التاريخ بالوحشية والتخلف والرجعية

ـــ والحقيقة أنها تتناسى كيف كان العالم الغربي يرزح في ظلمات الجهل والوحشية والتمزّق والجهل والخرافة، بينما كان العالم الإسلامي يخطو خطوات مبهرة في العلم والحضارة، حتى قال المستشرق (غوستاف لوبون) في كتابه (حضارة العرب): (ولسرعان ما رأيتُهم أصحاب الفضل في معرفة القرون الوسطى لعلوم الأقدمين، وإن جامعات الغرب لم تعرف لها مدة خمسة قرون موردًا علميًّا سوى مؤلفاتهم، وإنهم هم الذين مدّنُوا أوروبا مادةً وعقلاً وأخلاقاً)، وقد شهد بمثل هذا العشرات من المستشرقين والباحثين الغربيين، وهو أشهر من أن يحتاج إلى إثبات ودليل، وأضاف: ( وإن التاريخ لم يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه في وقت قصير، وأنه لم يَفُقْهم قوم في الإبداع الفني) .


2
ـ ثم تحدثت في البداية ـ وبشيء من الاستخفاف ـ عن قلة عدد الذين آمنوا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة


ــــ وتناست أن السيد المسيح عليه السلام بكل المعجزات التي أتى بها من إحياء الموتى وإشفاء الأعمى والأبرص والإخبارات الغيبية التي كان يأتي بها، لم ينجح في أن يُقنِع سوى العدد القليل من أبناء مجتمعه، على الرغم من أنه كان يدعو في مجتمع بني إسرائيل القريب جداً مما كان يدعو إليه فكرياً وشرعياً، في مجتمع عرف النبوات المتتالية وآخرهم النبيان زكريا ويحيى عليهما السلام.

 
ـــ وكان الشيء الوحيد الذي عليهم أن يؤمنوا به هو أنه نبي مرسل من عند الله، وأن الإنجيل كتاب منزل عليه من الله

ـــ بينما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو في مجتمع مشرك وثني لم يعرف النبوة لقرون متمادية، والفارق بين الصورتين كبير، خاصة وأن القرآن يؤكد أيضاً

ـــ كما في سور الأعراف والأنعام والإسراء ـــ أنه لم تكن للنبي محمد معجزات مادية كإحياء الموتى وإبراء المرضى.. على خلاف السيد المسيح عليه السلام

ــــ علماً بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يغادر الدنيا بعد قرابة العشرين عاماً من الدعوة إلا وقد دخل أهل الجزيرة العربية في دين الله أفواجاً.

 
ـــ لقد أكد التاريخ المسيحي أنه إلى منتصف القرن الميلادي الثاني كانت المسيحية عبارة عن جماعات متفرقة صغيرة على هامش المجتمع ضمن الإمبراطورية الرومانية، بينما استطاع الإسلام أن يكوّن واحدة من أكبر الإمبراطوريات في التاريخ في نفس هذه الفترة من الزمن. بالطبع هذا لا يعيب السيد المسيح عليه السلام، بل هذه هي طبيعة الدعوات الرسالية، وطبيعة ردود فعل المجتمعات


3
ـ وادّعت أن النبي عندما قرر الهجرة إلى المدينة حيث اليهود، أراد أن يجذبهم بوسيلتين: الأولى: أنه أخَذ عن العهد القديم مجموعة من التشريعات وجعلها في القرآن، وهو ما أوجد التشابه بين الإسلام وبين اليهودية، من قبيل: حرمة أكل لحم الخنزير، وتكرار الصلاة خلال اليوم الواحد


ـــ والحقيقة أن القرآن تحدث عن ذلك قبل الهجرة بمدة، وقبل وجود أي مؤشر للهجرة إلى المدينة، ففي سورة الإسراء النازلة في السنة العاشرة من البعثة تحدثت الآية 78 عن الصلاة عدة مرات في اليوم، والسورة في ذات الوقت تذكّر بالتاريخ الأسود لبني إسرائيل، فهل هذا فعل من يريد جذبهم؟ 


ـــ كما جاء تحريم لحم الخنزير في الآية 115 من سورة النحل المكية النازلة بعد سورة الإسراء


ـــ والوسيلة الثانية: أنه أثنى على اليهود في القرآن، بينما تغير الأمر لاحقاً... والواقع أن القرآن في العهد المكي قد عرض تاريخ بني إسرائيل بسلبياته وإيجابياته، وتضمن نقداً لسلوكياتهم كما في سورة الأعراف الآية 138، وفي سورة يونس 93، وفي سورة الإسراء من الآية 4-8، وهكذا استمر الأمر في سورة البقرة التي تُعتبر من أوائل السورة المدنية، كما في الآيات من 74 إلى 123


ـــ ثم إن القرآن أثنى في السور الأولى على المؤمنين من أهل الكتاب كأصحاب الأخدود في سورة البروج، وهكذا في السور المتأخرة من العهد المكي كما في قصة أصحاب الكهف والرقيم، ثم استمر في الثناء على بعض أهل الكتاب في العهد المدني في أوج الصراع معهم: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ... لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران:110-114]، ثم في نهايات العهد المدني كما في الآية 82 من سورة المائدة: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ) .


ــ والمسألة التي لم تفهمها هي أن القرآن لا يجامل أحداً، بل المسألة هي مسألة قيم ومباديء والتزام


4
ـــ وتقول السيدة (بريجيت) أن اليهود عندما رفضوا دعوة النبي صار يقتلهم


ــــ والتاريخ على خلاف ذلك تماماً، فبينما كان بإمكان النبي أن يقتل بني قينقاع ويبيدهم بعد استسلامهم، اكتفى بإجلائهم من المدينة بعد خيانتهم للميثاق القائم بينه وبينهم، وبعد أن رفعوا السيف بوجهه. وهكذا مع بني النضير وبني قريظة، وكلهم انتقلوا الى خيبر وسواها من المدن


ــــ وعندما وقعت الحرب بينه وبينهم في خيبر نتيجة تآمرهم مع الروم ضد دولة الإسلام، ثم انتصر عليهم وفتح حصونهم العاتية، عفى عنهم مجدداً، وأبقاهم في خيبر وما سواها... ولم يُفنِهم


ــــ ولم يأمر الله بقتال المسالمين: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة:8]. كما أنه أمَر المسلمين بالإنصاف، والتزام العدل والتقوى في القضاء في الخصومات حتى وإن كان الخصم من دين آخر، كما في الآية 8 من سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) .


ـــ وكان رسول الله إذا بعث جيوشه قال: (لا تعتدوا، ولا تغُلّوا، ولا تُمثِّلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع...) .


ـــ وأما في العهد القديم (سفر يشوع 6: 21، 24): (وَحَرَّمُوا كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رَجُل وَامْرَأَةٍ، مِنْ طِفْل وَشَيْخٍ، حَتَّى الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْحَمِيرَ بِحَدِّ السَّيْف.. وأحْرَقوا المدِينَةَ بالنَّارِ مَع كُلِّ ما بِها) .

ـــ وفي العهد الجديد نجد على لسان السيد المسيح عليه السلام: (إنجيل لوقا 19: 27):) أَمَّا أَعْدَائِي، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأْتُوا بِهِمْ إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي) ونحن نبرؤه من ذلك


ـــ أعود وأذكّر من جديد، أن الإسلام يواجه اليوم هجمةً شرسةً متعددةَ الأطراف والغايات، تشكيكاً وتشويهاً، وافتراءً... ومن مسؤوليتنا أن ندافع عن ديننا، كلٌّ بحسبه. وإنَّ الاستغراقَ والإمعانَ في الخلافات البين مذهبية وتصعيدَ وتيرتِها لن يخدمَ أحداً سوى المتربصين بنا جميعاً، سنةً وشيعة، فرأسُ الإسلام، كل الإسلام، هو غايتهم..

فلنجعل من الدفاع عن الإسلام مادةً لتوحيد الكلمة والصف، ودافعاً للتركيز على ما نشترك فيه، ليكون منطلَقاً للعمل المشترك في مواجهة عدوٍّ تناسى خلافاتِه العميقةَ والتاريخية، وتفرّغ لتحطيمنا، بتوظيف كل الأدوات المتاحة لديه..

إنهم لا يعرفون طعم الراحة في هذا الطريق، ونحن مستغرقون في استرخاء أبدي، إلا فيما يُمعن بتمزيقنا داخلياً أكثر وأكثر



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: