فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





الشيخ علي حسن غلوم - 22/01/2017م - 9:40 ص | عدد القراء: 586


ـــ قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) الروم:54.

ــــ في الآية الشريفة وصف عام لمراحل ودورة حياة الفرد الإنساني، البداية الضعيفة، ثم بلوغ مرحلة القوة، ثم الضعف المجدد والشيخوخة


ـــ وقد اعتبر العلامة ابن خلدون أن هذا الوصف العام الوارد في الآية ينطبق على الدول أيضاً.. حيث تكون ضعيفة في بداية تكوّنها، ثم تقوى، ثم تضعف وتعيش الشيخوخة


ــــ ومن هنا قال أن مثَلَ الدولة كـــ : (مثلِ كائنٍ حي، ذي طبيعة خاصة، محكومة بقانون السببية) .


ـــ ومما يؤيّد تصوّر أن الأمم والدول كائن حي، قوله تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)[يونس:49]. تماماً كما أن للفرد الإنساني أيضاً أجل


ـــ الصفة الغالبة ـــ بحسب ابن خلدون ـــ للجيل الأول: شظف العيش، والبسالة، والاشتراك في المجد... وبذا نجد أن: (حسَّهم مرهف، وجانبَهم مرهوب، والناس لهم مغلوبون) .

ـــ وفي الجيل الثاني يتحول حالهم من الشظف إلى الترف، ومن الاشتراك في المجد إلى بروز الأنا وقوتها، والسعي الفردي والمحدود نحو المجد.. فيفقدون عزّهم تدريجياً، ويرجون مراجعة الأحوال


ـــ ثم تأتي مرحلة الجيل الثالث حيث الإمعان في الترف وتحولهم عيالاً على الدولة، وخداع أنفسهم والناس ببعض المظاهر السطحية التي يحاولون من خلالها إثبات استمرار عز دولتهم


ـــ هذه هي مرحلة الشيخوخة التي تستسلم فيها الدول لآثار الضعف، وتتم الاستعانة بالموالي ـــ على حد تعبيره ـــ أي من غير أبناء ذلك المجتمع. فهل سيكون لهؤلاء الولاء؟ وهل سيثبتون أمام الخطر؟ من الواضح أن الأمر ليس كذلك. والنتيجة أن مثل هذه الدولة تنتظر نهايتها بصورة أو بأخرى


ـــ وعلى الرغم من جودة الوصف، ودقة الملاحظة عند ابن خلدون، إلا أنه يبدو أن هذه النظرية لا تنجح مع نموذج الدولة التي تقوم على أساس مؤسساتي.. فالنموذج الذي قدّمه هو نموذج الدولة القائمة على العصبية.. على الانتماء المشترك لمكوّن ذلك المجتمع، وأما الدولة القائمة على أساس مؤسساتي وضمن دستور يلتزم به الجميع، فالأمر قد يكون مختلفاً


ـــ أي أن مثل هذه الدولة قد تدخل في المرحلة الثالثة، وهي مرحلة الشيخوخة والضعف، نتيجة ظروف معينة، ولكن بإمكانها أن تتشبب.. أن تستعيد نضارتها وحيويتها.. ولكن هذا يحتاج إلى توفر الأسباب


ـــ تماماً كما أن بإمكان الإنسان الفرد أن يؤخر ويقلل من آثار الشيخوخة وتبعاتها، وذلك من خلال إجراء العمليات الجراحية، والاهتمام بالتغذية، وممارسة الرياضة، وغير ذلك من الوسائل


ـــ في عام 2008 شهدت الولايات المتحدة أزمة اقتصادية ضخمة استطاعت أن تتعامل معها بحيث تتجنب حالة الانهيار، ثم تنحو نحو التعافي تدريجياً


ـــ هذا لم يأتِ من فراغ.. بل من خلال المؤسسات البحثية، ومراكز الدراسات المتخصصة


ـــ هناك على سبيل المثال ما يُعرف باسم Think tanks وتترجم بعنوان خلايا التفكير


ــــ هذه المراكز تنتج كمًّا كبيرًا من الأبحاث والدراسات، لتشكل قاعدة معلوماتية واستراتيجية للأحزاب والحكومات، ولها التأثير الأكبر على سياسة أمريكا تجاه القضايا الداخلية والخارجية


ـــ وعلى سبيل المثال هناك معهد بروكينغز الذي تأسس سنة 1916، والذي يُعد أحد أكثر مراكز الفكر تأثيرًا في السياسات الأمريكية العامة، ومؤسسة كارنيغي للسلام الدولي والتي تأسس عام 1910، ولها خمسة فروع في واشنطن، وموسكو، وبيروت، وبكين، وبروكسل، لتشكل قاعدة ضخمة من المعلومات والتقارير والأفكار التي تؤثر على السياسة الخارجية الأمريكية بشكل كبير، ومركز بيو للأبحاث، وهو مركز حديث تأسس عام 2004، ويقدم تقارير الرأي العام، والاتجاهات السكانية، والقضايا المجتمعية والإعلامية في الولايات المتحدة وحول العالم


ـــ هذه المراكز تقدّم ما هو بمثابة حقن البوتكس، والبرنامج الرياضي والغذائي الذي تستطيع الدولة من خلاله أن تتشبب وتعود إلى حيويتها، بل لربما تعود من المرحلة الثالثة إلى الثانية من جديد


ـــ مثال آخر على ما سبق: وفق المعايير العالمية، فإن أي مجتمع تجاوزت فيه نسبة أعمار الستين عامًا أو يزيد أكثر من 10% من تعداد السكان، فهو مجتمع يعاني من الشيخوخة، وهذا سيؤدي إلى تدمير اقتصادها


ــــ في ألمانيا مثلاً تبلغ نسبة من بلغوا 65 عاماً 20% من مجموع السكان.. ويتوقع لهم أن يبلغوا ثلث السكان عام 2060، وهذا يحدث انقلاباً في اقتصادها إذ يستنزف مواردها بشكل كبير


ـــ ولذا أعلنت ألمانيا أنها بحاجة إلى 400 ألف مهاجر سنوياً من ذوي الكفاءات كي يتم إصلاح هذا الخلل، بل عمدت بعض الدول الأوروبية إلى تصدير كبار السن فيها بتشجيعهم على الهجرة إلى دول البحر الأبيض المتوسط وأمريكا اللاتينية وأفريقيا


ـــ المهم أن كل هذا يتم وفق دراسات ومن خلال عمل مؤسساتي حقيقي.. المسألة ليست مسألة إيجاد للمؤسسات.. بل كيف تعمل هذه المؤسسات؟ وماهية العقول التي تديرها؟ وهل تشتمل على كفاءات حقيقية أم المسألة مسألة تنفيع وتباهي وتحزب؟ وأخيراً هل يؤخذ بهذه الدراسات والتصورات والمقترحات المقدمة أم توضع في الأدراج لتُنسى؟ 


ــــ إن شيخوخةَ الدولِ والمجتمعاتِ وآثارَها من الضَّعفِ، والوهنِ، وانتظارِ الأجل، ليست قدَراً محتوماً غير قابل للتغيير أو التجاوز.. فالدولة متى ما قامت على العمل المؤسساتي الحقيقي، وسارت وفق دستور واضح ومناسب، واعتمدت في سياساتها الدولية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتنموية المختلفة على البحوث والدراسات التي تقدمها العقول المفكرة والمخلصة والجادة التي تعمل ضمن مراكز التفكير وبأسلوب علمي رصين، فبإمكانها أن تكسر القاعدة التي بناها ابن خلدون في نظريته حول دورة حياة الدول والحضارات، فتحتفظ بشبابها إلى أمد بعيد، أو تعيد إلى نفسها الحيوية والنضارة والقوة..

فهل سنبقى نبكي أمجادَ الكويت لؤلؤة الخليج، أم سنعمل في الاتجاه الصحيح الذي يعيد إليها حيويتها ونضارتها؟ أظن أن القراءة الأولية لمعطيات العمل الحكومي والبرلماني الحالي لا يبعث على التفاؤل بحال



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: