فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





الشيخ علي حسن غلوم - 17/01/2017م - 9:14 ص | عدد القراء: 280


ـــ عرفت البشرية الرشوة ـــ في مفهومها الواسع لا بمفهومها الفقهي الخاص برشوة القضاة فقط ـــ كسلوك منحرف في عهود مبكرة من تاريخها، وحفظت لنا المدوّنات القديمة صوراً من ذلك


ـــ فقد أورد (صمويل كريمر) في كتابه (من ألواح سومر) نصاً مكتوباً بالخط المسماري على ألواح طينية يعود تاريخها إلى 2000 سنة قبل الميلاد كتبه معلم يذكر فيه حال تلميذ كسول، يتلقى العقوبة من المعلم في كل يوم، فيطلب من أبيه أن يدعو المعلم إلى بيته، ليرشيه.. وفعلاً لما تم الأمر انقلب موقف المعلم من التلميذ فوقف قائلاً: (أيها الشاب، لأنك لم تهمل قولي، ولم تنبذ إرشادي، عساك أن تبلغ القمة في فن الكتابة، وعسى أن تتقنه غاية الإتقان، ولعلك تكون القائد بين إخوتك، وأن تصبح رئيساً على جميع أصدقائك، وليتك تبلغ أعلى الرتب بين طلاب المدرسة. حقاً لقد أحسنت في إنجاز أعمال المدرسة كل الإحسان وأصبحتَ رجلَ علم!) .

ــ وهكذا حفظ لنا المصريون القدماء وثيقةً في ورقة من البردي وتدور حول رشوة قدَّمها شخص للمسئولين عن بناء المقبرة الملكية مقابل تعيين أحدِ الصبية في وظيفة عامل المقبرة، وتسرد البردية 

أسماء المرتشين والأشياء التي حصلوا عليها، ومن بينها كرسي وصندوق خشب وصندل


ـــ ولعل في قصة النبي سليمان عليه السلام وملكة سبأ نموذجاً من نماذج الرشوة التاريخية، حيث قالت الملكة: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ، فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ) النمل:35-36.


ـــ أسمتها هدية، ولكنها في واقعها محاولة شراء ذمة.. وبمعنى آخر رشوة، ولكن على مستوى دولي


ـــ في القرآن الكريم أيضاً حديث عن نوع محدد من الرشوة.. قال تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) البقرة:188.


ـــ هذه الآية وإن خصّت الرشوة في مجال القضاء، إلا أنها قدّمت قاعدة عامة في قوله: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) استفاد منها الفقهاء في موارد عديدة، ومن بينها الرشوة بالمفهوم العام


ـــ وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استعمل على الصدقة رجلًا يُعرف ـــ بابن اللُّتْبِيَّة ـــ فجاء بالمال فقال: (هذا لكم وهذا لي، أهدي لي. قال فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما بالُ عاملٍ أبعثُه فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي؟! أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر أيُهدى إليه أم لا ؟!....) ومن الواضح أن هذا النوع من الإهداء لا يأتي من فراغ


ـــ وهكذا نجد في نهج البلاغة أنه لما استُخْلِف علي عليه السلام كتب كتاباً إلى أمراء الأجناد وفيه: (أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ مَنَعُوا النَّاسَ الْحَقَّ فَاشْتَرَوْهُ، وَأَخَذُوهُمْ بِالْبَاطِلِ فَاقْتَدَوْهُ) .


ـــ واليوم تعد الرشوة ـــ من الناحية القانونية ـــ من أخطر الجرائم المخلّة بحسن سير الوظيفة العامة لما فيها من إخلال بالمساواة بين أصحاب المعاملات، وتضييع الحقوق، وتغليب مصلحة الموظف على المصالح العامة وفتح أمام صور أخرى من الفساد، وفقدان الثقة بالدولة وبمؤسساتها القانونية


ـــ ولخطورة الأمر فقد عمد القانون لتجريم مجرد عرض الرشوة، والتوسّط فيها، والإخلال بواجبات الوظيفة نتيجة رجاء الحصول عليها


ـــ ففي قانون الجزاء الكويتي عقوبة المرتشي قد تصل إلى 10 سنوات حبس، وعقوبة الراشي والوسيط قد تصل إلى خمس سنوات، وقد تضاف إليهما عقوبة مالية أيضاً


ـــ وفي حكم الموظف العام أعضاء المجالس النيابية، والخبراء، ووكلاء النيابة، وغيرهم


ـــ ونتيجة لاستفحال هذا الداء والمدى التخريبي الواسع له، وعدم كفاية تشريع القوانين، لأن الفساد قد يصل إلى مؤسسة القضاء بذاتها، فقد عمدت بعض الدول إلى اتخاذ إجراءات إضافية


ـــ فالمملكة المغربية ـــ على سبيل المثال ـــ جعلت من السادس من يناير يوماً وطنياً لمحاربة الرشوة، وأسست الحكومة هناك: الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة


ـــ في سنة 2015 أعدت شركة فيريسك مابلكروفت (Verisk Maplecroft) المتخصصة في قياس المخاطر دراسة حول مدى احتمالية انتشار مخاطر الرشوة والفساد في أكبر 10 دول منتجة للنفط على مستوى العالم، وقسّمت النتائج إلى فئات (قصوى، وعالية، ومتوسطة، ومنخفضة) .


ـــ في هذا التحليل جاءت الكويت ضمن فئة (عالية)، وتبيّن من خلاله أن 7 دول ـــ ومنها الكويت ـــ تعتبر في منطقة (الخطر الجدّي) .


ـــ علماً بأن تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن الفساد يضيف عبئاً بنسبة 10% إلى تكاليف إنجاز الأعمال على مستوى العالم سنوياً، وهي النسبة التي تقدَّر بنحو تريليون دولار يتم دفعها كرشاوى


ـــ وما عاد الأمر خافٍ على أحد، وصار هذا الداء يضرب كل مرافق الدولة ومؤسساتها.. وإذا كان الموظف الحكومي على اختلاف مراتبه ـــ في يوم ما ـــ يتحرّج ويستحي من طلب الرشوة جهاراً، فقد أصبح الأمر اليوم مألوفاً وبعناوين مختلفة


ـــ هل هناك قصور في القانون؟ لا أعتقد ذلك.. هل المشكلة في عدم الوعي؟ لا يبدو الأمر كذلك


ـــ بل لو سألتَ أحدَهم عن الحكم الشرعي للرشوة، لجاءك بالنصوص المختلفة التي تدل على تبعات أكل المال الحرام والسحت


ـــ وقد نجد نموذجاً من المرتشين لا يمانع في أن يجعل قسماً من هذا السحت عطاءً في سبيل الله، أو أن يدفع خُمسه أو زكاتَه، وكأنه يريد بذلك أن يخدع الله ويسترضيه برشوة أخرى


ـــ إن مشكلة استفحال الرشوة بمفهومها العام لها علاقة بفقدان الإرادة الجدية لمكافحة الفساد، وللتراخي في تطبيق القانون، ولتشابك المصالح. ولنتذكر أنّ المجتمعات إنّما تحيا وتعظم وتتطوَّر إذا انطلق أبناؤها ليأخذوا حقوقَهم غير منقوصة، من دون أن يُقدّموا أي تنازل في مقابل هذه الحقوق.. وأنَّ منْعَ الحقوق يضطرُّ الناسَ إلى شرائها، ولربما جعلهم يُخضِعون كلَّ حياتِهم لهذا الواقع الفاسد الذي سيؤثّر تأثيراً سلبيّاً في كلّ واقع الحياة.. إن الباطل لا يمكن أن يبني الحياة، بل من خلال الحقّ يجد النّاس الطّمأنينة والأمن والعدالة



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: