فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





الشيخ علي حسن غلوم - 02/12/2016م - 1:19 م | عدد القراء: 355


ـــــ من الإشكالات التي تُثار اليوم من قبل الملحدين واللادينيين، على الإسلام وتشريعاته وموقفه من قضايا الحقوق والمرأة: مسألة نصيب المرأة من الإرث، إذ يدّعون أن الإسلام ميّز بين الرجل والمرأة من حيث التفضيل في القيمة، وأن فقه المواريث في الإسلام فقه ذكوري. وهذه أمثلة يستدلون بها

ـــــ عند توزيع الإرث بين الأبناء يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، وذلك قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) النساء:11.

ــــ وعندما يموت الزوج: تأخذ الزوجة الربع إن لم يكن له ولد، والثمن مع وجود الولد... بينما إذا ماتت الزوجة: أخذ زوجها النصف إن لم يكن لها ولد، والربع مع وجود الولد

ــــــ وهكذا إذا مات الرجل وكان إخوانه وأخواته هم الورثة، كان للذكر مثل حظ الأنثيين، حيث قال تعالى: (وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) النساء:176

ــــ وعند وجود الأب مع الأم ولا يوجد للمتوفى أولاد ولا زوجة، فهنا يكون للأم الثلث ويتبقى للأب الثلثان. وفي الواقع هذه هي موارد زيادة حصة الذكر على الأنثى

ـــــ والحقيقة أن تهمة ذكورية فقه المواريث في الإسلام، وتمييزه بين الذكر والأنثى من منطلق التفاضل في القيمة كلام باطل من أساسه، ولا يصدر إلا عن جاهل

ــــ فعندما نعود إلى الجذور التاريخية لصدور هذه التشريعات فسنجد أنها جاءت ضمن الواقع التالي الذي ذكره د. جواد علي في الجزء العاشر من موسوعته (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) قال: (والقاعدة العامة في الميراث عند الجاهليين هو أن يكون الإرث خاصّاً بالذكور الكبار دون الإناث، على أن يكونوا ممن يركب الفرس ويحمل السيف، أي: المحارب... وقد جاء في الأخبار ما يجعل المرأة في ضمن تركة المتوفى) ونوّه إلى وجود بعض الاستثناءات في بعض المجتمعات

ــــ فهل يكون التشريع الذي يؤسِّس لتوريث الأنثى، فيقضي على هذا التمييز الجاهلي بين الجنسين من حيث القيمة تشريعاً ذكورياً؟ ومن هنا نفهم مدلول وقيمة الآية الشريفة: (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) [النساء:7] ، فقد كانت الآية وهذا التشريع نقلة نوعية في حقوق المرأة والانتصار لها

ــــ نعم تتفاوت الحصص بين الذكر والأنثى في بعض الحالات، ولكن لا بلحاظ التمايز في القيمة، وهذا ما سيتضح ضمن البيان التالي

ــــ أولاً: هناك حالات ترث فيها الأنثى ولا يرث فيها الرجل

ـــــ مثال: لو توفي أحدهم وترك بنتاً واحدة، وله أخ. فإن البنت ترث نصف التركة بحسب الفرض، ويُردُّ عليها النصف الآخر، وبالتالي ترث كل التركة ولا يصل للأخ شيء منها. لماذا؟ 

ـــــ لأن المسألة تدور مدار الأقربية في الرحم، ولا مدخلية لجنس الوارث في هذا الأمر، والأقربية في الرحم مقدَّمة على أي لحاظ آخر

ـــــ ثانياً: هناك حالات ترث فيها الأنثى نصيباً بمقدار مساوٍ أو أكثر من الذكر

ـــــ مثال: لو مات أحدهم وترك أبوين وبنتين، فإن للأب السدس، وللأم السدس (هنا تساوى الذكر والأنثى) ، ولكل بنت الثلث، أي أكثر من نصيب الأب وهو ذكر. فالتشريع الإسلامي يراعي أيضاً أيهما أكثر احتمالية في امتداد العمر به في هذه الحياة

ــــ ثالثاً: الإشكال ليس بجديد، فقد طرحه ابن أبي العوجاء ـــ وكان من رؤساء الزنادقة أي الملاحدة في وقته

ــــ وردّ عليه الإمام الصادق عليه السلام بما فسّر به سبب زيادة حصة الذكر أحياناً

ـــ فقد روى الكليني في الكافي عن الأحول قال: (قال ابن أبي العوجاء: ما بال المرأة المسكينة الضعيفة تأخذ سهماً واحداً ويأخذ الرجل سهمين؟ قال: فذكر ذلك بعض أصحابنا لأبي عبد الله (ع) فقال: إن المرأة ليس عليها جهاد) أي غير ملزمة شرعاً بتحمل نفقات الجهاد بنفسها ولا الجهاد بمالها (ولا نفقة ولا معقَلة) فإذا وقع قتل خطأ من قبل شخص فإن عاقلته أي أقرباءه مثل إخوانه وأعمامه يشاركون في دفع دية المقتول والمرأة غير ملزمة بذلك (وإنما ذلك على الرجال، فلذلك جَعل للمرأة سهماً واحداً، وللرجل سهمين) .

ــــ فقد أُلزم الرّجل شرعاً بأن يتحمل من المسؤوليات المادية ما لم تُلزَم به المرأة

ــــ فالمرأة المتزوجة مثلاً غير ملزَمة بالإنفاق، لا على نفسها ولا على زوجها ولا على أولادهما، كما أنها عند الزواج لا تتحمل أية مسؤولية مادية، بل هي تنال مهراً في هذه الحالة على نحو الإلزام، وهذا ما بيّنه الإمام الصادق عليه السلام أيضاً جواباً عن سؤال: (لأيّ علّة صار الميراث للذّكر مثل حظّ الأنثيين؟ قال: لِمَا جعل الله لها من الصّداق) .

ـــــ فالرجل ـــ عادةً ــــ بحاجة أكثر منها للمال لما عليه من التزامات، لا تجاه نفسه فقط، بل تجاه أكثر من شخص، فهو ملزم بالإنفاق على زوجته وأولاده ولربما على والديه أيضاً في حال فقرهما، كما أنه ملزم بإعطاء زوجته أجرَ الرضاع لو طالبت به ولم تزد على ما تأخذه المرضعات، وأجرَ العمل المنزلي إذا لم يكن هناك شرط في العقد يفرض عليها العمل المنزليّ، ولم تكن متبرّعة بذلك العمل

ـــــ كما أن عليه التزامات أخرى كما جاء في الحديث الأول، من قبيل الإنفاق في الجهاد، والمشاركة في دفع دية قتل الخطأ الصادرة عن أحد الأقرباء

ـــــ وفي المقابل فإن المرأة غير ملزمة بأن تنفق من أموالها، لا على نفسها ولا على زوجها وأولادها

ـــــ فالمسألة إذاً ليست امتيازاً أو تفضيلاً للرجل على المرأة، بل هو سعي لمراعاة التوازن بلحاظ الدخل من جهة، والإنفاق والإلتزامات المالية من جهة أخرى

ـــــ ومن باب الطّرافة، قال بعض الفقهاء أن على الرّجال أن يطالبوا بالمساواة مع النّساء لا العكس

ــــ قد يقال أن المرأة اليوم تشارك الرجل في الالتزامات المالية على الأسرة، فلماذا لا يتغير الحكم؟ 

ـــــ والجواب: أولاً، أن المشاركة منها طوعية، ويجب أن يكون برضاها، ومتى ما أرادت الامتناع عن ذلك لم تُجبَر عليه

ـــــ بالطبع هذا ليس تحريضاً للزوجات على أزواجهم، فالحياة الزوجية الأجمل هي التي تتحقق فيها المشاركة والتعاون والعطاء المتبادل بكل محبة ومودة

ـــــ ثانياً، إن القوانين العامة لا تتغير من خلال الحالات الفردية، ولا من خلال التغيرات الطارئة. ولو نظرنا إلى الصورة الإجمالية للمجتمعات المسلمة، فسنجد أن الرجل هو الذي يوفّر للأسرة مدخولها، وهو الملتزم بالإنفاق عليها لا المرأة

ـــــ لقد كرّم الله عزوجل المرأةَ في التشريعات الإسلامية كما كرّمها في نظرته إلى الإنسان كإنسان، حيث لم يُنقِص من إنسانيتها شيئاً، تكريماً لا حاجة معه إلى المزايدة من قبل الذين يصرّون على إلقاء التهم والتشويش وإثارة الأجواء بالعبارات الصارخة والأساليب الصاخبة من أجل التأثير سلبياً على شبابنا في نظرتهم إلى الإسلام.. وعلى هؤلاء أن يتذكروا أن الإسلام خصص للأنثى نصيباً مفروضاً من الإرث في زمنٍ كانت المرأة فيه جزءً من الإرث فضلاً عن أن يحق لها أن ترث! وأن نصيبَها منه يتفاوت من حالة إلى أخرى، فلها أحياناً كل التركة مع وجود الذكور من الأقرباء، ويزيد نصيبُها عن أنصبتهم في حالات أخرى، كما وتتساوى معهم في موارد، وتنقُص عنهم في موارد أخرى، ضمن قواعد وآليات وفلسفة لم تقم أبداً على تفضيل الذكر على الأنثى من حيث القيمة، بل من خلال السعي لمراعاة التوازن بلحاظ الإلتزامات المالية المفروضة على الذكر دون الأنثى.



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: