فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





الشيخ علي حسن غلوم - 19/11/2016م - 10:20 م | عدد القراء: 235


ــــ تحدثت في الأسبوع الماضي عن عاملٍ من العوامل التي تؤدي إلى إفساد المرشح/النائب بعد أن يكون صالحاً في ظاهره على الأقل. وأتحدث اليوم عن عامل آخر.


ـــــ من بين هذه العوامل دور الحواشي والمهلِّلين والمدّاحين الذين يُقدِمون على ذلك حباً لهذا المرشح/النائب، وعن صدق وإخلاص.. أو الذين يُقدِمون على ذلك نفاقاً وتزلّفاً من منطلق المصلحية والرغبة في الانتفاع

ــــ وما أكثر هذا النموذج في كل مكان وزمان! ثناء وشعر ومديح وانحناءات.. هذا يقبّل رأسه، وآخر يهرول لحمل حقيبته، وثالثٌ يهتف بالصلوات، ومجموعةٌ تكتب فيه المقالات تعظيماً وتبجيلاً، وآخرون يُطلِقون عليه الألقاب، وأمثال ذلك من تصرّفات تُخضِع لها أكبر رأس

ـــــ عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (خرج أمير المؤمنين (ع) على أصحابه وهو راكب، فمشوا خلفَه، فالتفت إليهم فقال: لكم حاجة؟ فقالوا: لا، يا أمير المؤمنين، ولكنا نحب أن نمشي معك. فقال لهم: انصرِفوا، فإنَّ مشْيَ الماشي مع الراكب مفسدة للراكب) حيث يدخل في قلبه العُجُب (ومذلَّة للماشي) والله لم يخوّل للمؤمن أن يذل نفسه بهذه الطريقة، بل بالتواضع المعقول (قال: وركب مرة أخرى فمشوا خلفه، فقال: انصرِفوا، فإنَّ خفقَ النعالِ خلفَ أعقابِ الرجال مفسدةٌ لقلوب النَّوْكَى) أي الحمقى ويعني بهم مَن لديهم القابلية للسقوط والتهاوي نتيجة هذه المؤثرات التي يستسلمون لها ويتنازلون عن تقواهم وأخلاقهم بسببها


ـــــ يقال أن أحد المشايخ الفضلاء في إحدى قرى البحرين قبل أكثر من مائتي عام كان يحضر درساً لأحد الفقهاء الكبار في قرية أخرى، ومن طبيعة الطلاب المحبين المعجبين بأستاذهم أن يخضعوا لآرائه فلا تنقدح في أذهانهم الأسئلة والإشكالات، وكأن لسان حالهم: وهل يمكن لأحدنا أن يفهم أكثر من هذا الفقيه العظيم؟ 

ــــ ولكن هذا الشيخ الوافد على الدرس كان -على خلاف بقية الطلاب - كثير السؤال والاستشكال

ـــــ بالطبع كان الأستاذ مأنوساً به لأن الإشكالات تفتح آفاقاً له وللطلاب، ولربما تؤكد صحة نظريته من خلال الأدلة والتوضيحات، كما أنها دليل حضور ذهن الطالب واستفادته


ـــ إلا أن سائر الطلاب لم يفهموا الأمر بهذه الصورة، وأبدوا انزعاجهم وتبرّمهم مما اعتبروه إهانة لفقيههم، وصاروا يتحدثون عن ذلك في أوساط الناس، فما كان من بعض أهل هذه القرية إلا أن كمنوا له في بعض الأزقة، وأوسعوه ضرباً حتى مات


ــــ ولما افتقده الأستاذ قالوا له: لا تُزعج نفسك بعد اليوم يا مولانا، فقد أرحناك منه إلى الأبد


ـــــ دخل ضِرار بن ضَمْرة على معاوية، فطلب منه أن يصف علياً عليه السلام، فكان في جملة قوله في وصفه: (كان والله شديدَ القِوى، بعيدَ المدى، يتفجرُ العلمُ من أنحائه، والحكمةُ من أرجائه) ويستمر في وصفه لعظمة علي إلى أن يقول: (ونحن مع تقريبه لنا أشدُّ ما يكون صاحبٌ لصاحبٍ هيبة، لا نبتدئُه الكلامَ لعظمتِه)... ولكن كيف كان علي معهم؟ قال: (وكان فينا كأحدنا) .

 
ــــ كل هذه الصفات والعظمة في شخصية علي عليه السلام، إلا أنها لم تُضخِّم شخصيته، ولم تنفخ فيه روح التكبر والتعالي على الناس... ولكن كم من الناس يمكن لهم أن يحافظوا على توازنهم في مثل هذه الحالة؟ من الذي يَسلَم مِن خفق النعال خلف أعقابه؟ 

ــــ السلامة في هذه المواضع تحتاج إلى وقاية من الإنسان نفسِه... جاء في وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يُوطِّن الأماكن) لا يرضى بأن يُقال هذا المكان البارز له، وذاك لفلان، وذاك لعلان كما نفعل نحن في مجالسنا (وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى) أي النبي بنفسه وبعظمته وجلالة شأنه (إلى قوم، جلسَ حيث ينتهي به المجلس. ويأمر بذلك) . 

ـــــ وبيّن لنا صلى الله عليه وآله وسلم بعض المؤشرات التي تدل على أن الخلل بدأ يدبّ في الإنسان من باب التعظيم حيث قال: (مَن سرَّه أن يتمثّل له الرجال قياماً، فليتبوّأ مقعدَه من النار) . 

ـــ وأراد لنا أن نتخذ إجراءات في هذا السبيل، ففي صحيح مسلم عن المقداد: (أن رجلاً جعل يمدح عثمان، فعمِد المقداد فجثا على ركبتيه فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنُك؟ فقال: إن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا رأيتم المدّاحين، فاحثوا في وجوههم التراب). 

ـــ الأمر مدمر.. ولذا كان الإمام زين العابدين عليه السلام يقول في دعائه: (ولا ترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي مثلَها، ولا تُحدث لي عزاً ظاهراً إلا أحدثتَ لي ذلةً باطنةً عند نفسي بقدْرِها) .

ـــــ من أراد أن يحفظ نفسه من هذه المهلكة عليه أن يكون صادقاً في مثل هذا الدعاء

ــــ والأدهى أن البعض لا يكتفي بتعظيم هذا المرشح/النائب وتضخيم صورته، بل ويجرّ ذلك إلى أبنائه وأفراد أسرته.. ويصِل بالبعض ـــ وهو ذو الشيبة ـــ أن يتذلل لأحدهم وهو طفل لم يخط شاربه

ــــ إن علينا ونحن نتفاعل إيجابياً مع أي مرشح أو نائب، أن نسائل أنفسَنا: هل المطلوب منا أن نستغرق في شخصه، أم في إنجازاته، وفي تقواه وأخلاقه، وفي مدى التزامه بالقيم والمباديء والوعود؟ فبأيدينا - متى ما جعلنا دورَنا التهليلَ والتصفيقَ والمديحَ - أن نصنعَ مِن أحدهم طاغوتاً صغيراً، يرى نفسَه فوق أن يُخطيء، وفوق أن يُنتقَد! فلنعوّدهم على الصراحة والشفافية والرقابة والنقد، كي لا يرى أحدُهم أن طريقَ الفساد بالنسبة إليه معبَّدة.. ولنجعل من النقد ثقافةً مقبولة، لا نريد به تجريحاً وتسقيطاً، بل إصلاحاً وتقويماً.. بل ولنرتقِ بموقفنا من النقد إلى المقاطعة والبحث عن البديل متى ما وجدنا مِن أحدهم تعالياً وإصراراً على الفساد أو الانحراف أو خُلفاً للعهود والمواثيق



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: