فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





الشيخ علي حسن غلوم - 11/11/2016م - 8:29 م | عدد القراء: 273


ــــ ونحن في أجواء الانتخابات البرلمانية، من المناسب أن أتحدث عن العوامل التي يمكن لها أن تؤدي إلى فساد نواب الأمة ممن يبدو علهم الصلاح ثم تتبدل صورتهم بعد حين.


ـــــ ولن أستوعب كل العوامل في هذه الخطبة، ولكن سأتحدث عن واحدة منها في هذا الأسبوع وأكمل الموضوع في الأسبوع القادم بإذن الله تعالى.


ــــ هذا العامل يتمثل في أن يكون المرشح ـــ أحياناً ــــ فاسداً بالقوة لا بالفعل... أي أنه يمتلك مقوّمات الفساد وتتوافر فيه مكامنها، إلا أن الظروف والأرضية لم تكن مهيأة له لكي يُظهِر هذا الفساد، وهو غافل عنها، لا يدرك وجودها.


ـــــ وبتعبير السيد الشهيد الصدر رضوان الله تعالى عليه: (نحن نقول بأننا أفضل من هارون الرشيد، أورع من هارون الرشيد، أتقى من هارون الرشيد، عجباه نحن عُرضت علينا دنيا هارون الرشيد فرفضناها حتى نكون أورع من هارون الرشيد؟) .


ـــــ أو لربما كان مدركاً لوجودها، عالم بفساد سريرته، ولكنه ممثل بارع استطاع أن يخدع الناس بظاهره، وهو ينتظر الفرصة، ويوظّف صلاح ظاهره إلى أن يحقق مراده على أكتاف الآخرين، وحينها تظهر حقيقته.


ــــ وبتعبير الإمام السجاد عليه السلام: (إذا رأيتم الرجل قد حَسُن سَمتُه وهديُه، وتماوت في منطقِه، وتخاضع في حركاته، فرويداً لا يغرنكم... فهو لا يزال يختلُ الناسَ بظاهره، فإنْ تمكَّن من حرامٍ اقتحمه) .


ــــ وقد تغرُّ الناس بعض العناوين المتعلقة بهذا الإنسان... الجارود بشر بن خنيس العبدي كان من رجالات الشرف والمكانة في بني عبد القيس بالبصرة.. وفد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عام الوفود على رأس جماعة من قومه، ودخلوا في الإسلام وتركوا النصرانية التي كانوا عليها.


ـ روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكرم الجارود ومَن معه حين وفدوا إليه، وطلب من الأنصار أن يكرموهم ويعتنوا بهم وقال: (قوموا إلى إخوانِكم وأشبهِ الناس بكم). قال ذلك لأنهم أصحاب نخل كما أن الأوس و الخزرج أصحاب نخل...


ــــ ذكر ابن أبي الحديد المعتزلي أنه كان يقال: (أطوع الناس في قومه الجارود بن بشر بن المعلى) أي كانوا ينقادون إليه بشكل كبير، وذكر أن من شواهد ذلك أنه لما قُبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فارتدت العرب، خطب قومه فقال: (أيها الناس، إن كان محمدٌ قد مات، فإن الله حي لا يموت. فاستمسكوا بدينكم. ومن ذهب له في هذه الفتنة دينار أو درهم أو بقرة أو شاة، فعليَّ مثلاه). فما خالفه من عبد القيس أحد. واستشهد الجارود عام 21 هـ في إحدى حروب المسلمين.


ــــ شخصية بهذا الوزن وبهذه الصفات وبهذا التاريخ، مع انقياد الناس له بهذا الشكل جعلت علياً عليه السلام يُحسن الظن في ابنه المنذر، فعيّنه ــــ أيام خلافته ــــ والياً، أملاً في أن يكون الولد كأبيه، وأن يكون عزيز نفس فلا تدنو نفسه بخيانة الأمانة، لأنه ثري وليس بحاجة للمال.


ــــ هكذا هو المفروض، وبالتالي يكون عوناً للإمام عليه السلام في إدارة البلاد، وييسِّر له انقياد الناس في الظروف الصعبة التي كان يعيشها مع الفتن المتلاحقة... ولكن المفروض شيء، والواقع شيء آخر... فسرعان ما تكشّفت خيانة الرجل مالياً، وتورّمت شخصيته، وعاش زهو الرئاسة.


ــــ فأرسل الإمام عليه السلام إليه رسالة فيها: (أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ صَلاَحَ أَبِيكَ غَرَّنِي مِنْكَ، وَظَنَنْتُ أَنَّكَ تَتَّبِعُ هَدْيَهُ، وَتَسْلُكُ سَبِيلَهُ، فَإِذَا أَنْتَ فِيَما رُقِّيَ إِلَيَّ عَنْكَ لاَتَدَعُ لِهَوَاكَ انْقِيَاداً، وَلاَ تُبْقِي لاِخِرَتِكَ عَتَاداً، تَعْمُرُ دُنْيَاكَ بَخَرَابِ آخِرَتِكَ، وَتَصِلُ عَشِيرَتَكَ بِقَطِيعَةِ دِينِكَ. وَلَئِنْ كَانَ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ حَقّاً، لَجَمَلُ أَهْلِكَ وَشِسْعُ نَعْلِكَ خَيْرٌ مِنْكَ) وإنما خصَّ الإمام شسع النعل بالذكر لأنه وصفه في موضع آخر كالتالي: (إنه لنظّارٌ في عِطْفَيْهِ، مُختالٌ في بُرْدَيْه، تَفّالٌ في شِرَاكَيْهِ) رغبةً في المحافظة على لمعان نعله، وإنما يفعله المعجب بشراكيه ليذهب عنهما الغبار والوسخ، يتفل فيهما ثم يمسحهما (وَمَنْ كَانَ بِصِفَتِكَ فَلَيْسَ بِأَهْل أَنْ يُسَدَّ بِهِ ثَغْرٌ، أَوْ يُنْفَذَ بِهِ أَمْرٌ، أَوْ يُعْلَى لَهُ قَدْرٌ، أَوْ يُشْرَكَ فِي أَمَانَة، أَوْ يُؤْمَنَ عَلَى خِيَانَة. فَأقْبِلْ إِلَيَّ حِينَ يَصِلُ إِلَيْكَ كِتَابِي هذَا إِنْ شَاءَ اللهُ) .


ــــ ولربما يكون هذا النائب قد اختُبِر في مواقع أخرى، أو مجالات أخرى، على مدى سنوات، فتبيّنَت للناس أمانتُه وصلاحُه، لا لأنه صالح في ذاته، بل لأن تلك المواقع لم تكن هي نقطة ضعفه، أو يراها أقل من طموحه!


ـــــ كما قال الإمام زين العابدين عليه السلام في تتمة النص السابق الذي ذكرت بدايته: (ويرى أن لذة الرياسة الباطلة، أفضل من لذةِ الأموال، والنعمِ المباحة المحلَّلة، فيترك ذلك أجمع طلباً للرياسة... لا يبالي ما فات من دينه، إذا سَلِمت له الرياسة، التي قد شقي من أجلها) .


ـــــ عندما تقرأ سيرة عبدالملك بن مروان في تاريخ ابن كثير ـــــ على سبيل المثال ـــــ ستجد أنه يذكره كالتالي: (كان أميراً على أهل المدينة وله ست عشرة سنة، ولاه إياها معاوية، وكان يجالس الفقهاء والعلماء والعباد والصلحاء... وقد كان عبد الملك قبل الخلافة من العباد الزهاد الفقهاء، الملازمين للمسجد، التالين للقرآن... وقد قال نافع:) المدني إمام القراء في المدينة في عهده (لقد رأيت المدينة وما فيها شاب أشد تشميراً، ولا أفقه ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان) .


ــــ فماذا جرى له بعد ذلك؟ قال ابن كثير: (لما سُلِّم على عبد الملك بالخلافة كان في حِجره مصحف، فأطبقه وقال: هذا فراقٌ بيني وبينك) !


ــــ إن تجارب الماضي وخبرات الحاضر تُحمِّلنا مسؤولية حُسن اختيار المرشح الذي نريد له أن يمثّل المواطنين ـــ كلَّ المواطنين ــــ في مجلسِ الأمة، فقد خُذل الناس وغُرِّر بهم أكثر من مرة، وساهم الناخبون أحياناً بقراءتهم السطحية للأفراد أو الجماعات، أو من خلال تعجّلهم في اتخاذ القرار، فأوصلوا مَن لم يُمثِّلهم خيرَ تمثيل.. ولربما قضى أحدنا وقتاً طويلاً وبحثاً معمَّقاً ومضى في استشارات كثيرة وهو يريد أن يختار لنفسه سلعة استهلاكية، بينما لا يستغرق اختيارُه للمرشح سوى لحظات...

هذا إن فكّر أصلاً ولم يكن مُبرمجاً وموجَّهاً في الاختيار.

فليكن الناخبُ حريصاً دقيقاً في اختياره، ولا يجعل أفُقَه ضيقاً محدوداً بمصلحته الشخصية، أو منقاداً للعناوين القبلية والعائلية والطائفية وأمثالها، بل يجعل من المصلحة العامة منطلقاً في اختيار الأصلح...

وللحديث تتمة بإذن الله تعالى.



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: