فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





الشيخ علي حسن غلوم - 04/11/2016م - 11:07 م | عدد القراء: 445


1/ علي عليه السلام بين المعارضة وسراق المال العام

ــــ أمامنا عدة نصوص تاريخية من سيرة أمير المؤمنين عليه السلام.. وسأضع النص الأول والثاني في جهة، والنصوص الباقية في جهة أخرى، وسأنطلق في النقطة الثانية من بعض دلالاتها. 

ـــــ النص الأول ورد في نهج البلاغة برقم (420) من حكمه عليه السلام حين قال رجل من الخوارج: (قاتله الله كافراً ما أفقهه! فوثب القوم ليقتلوه، فقال: رويداً، إنما هو سبٌّ بسبٍّ، أو عفوٌ عن ذنب) . 

ــــ وأما النص الثاني فقد رواه عدد من المؤرخين ـــ ومن بينهم ابن الأثير في الكامل في التاريخ ــــ حيث قال: (خطب عليٌّ يوماً آخر، فقام رجل فقال: لا حكم إلا لله. ثم توالى عدةُ رجالٍ يُحكّمون) أي يكررون ذات الشعار (فقال علي: الله أكبر، كلمة حق أريد بها باطل. أما إنَّ لكم عندنا ثلاثاً ما صحبتمونا، لا نمنعُكم مساجدَ الله أن تَذكروا فيها اسمَه، ولا نمنعُكم الفيءَ ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلُكم حتى تبدأونا) . 

ــــ أعود إلى نهج البلاغة حيث الكتاب برقم (20) وفيه خطاب موجه من الإمام إلى زياد بن أبيه الذي كان نائباً عن ابن عباس في ولاية البصرة، وقد بلغه أنه متهم بالاختلاس من بيت المال: (وإني أقسم بالله قسَماً صادقاً، لئن بلغني أنك خنتَ مِن فيء المسلمين شيئاً صغيراً أو كبيراً، لأشدنَّ عليك شَدَّةً تَدعُك قليلَ الوَفْر) المال (ثقيلَ الظهر، ضيئلَ الأمر) . 

ــــ وفي الكتاب (71) يقول للمنذر بن الجارود واليه على فارس، وقد اتُّهم بالاختلاس أيضاً: (ولئن كان ما بلغني عنك حقاً، لَجملُ أهلِك وشِسعُ نعلِك خيرٌ منك، ومن كان بصفتِك فليس بأهلٍ أن يُسَدَّ به ثَغرٌ، أو يُنفذَ به أمْر، أو يُعلى له قَدْرٌ، أو يُشرَك في أمانة، أو يؤمَن على جِباية، فأقبِل إليَّ حين يصل إليك كتابي هذا إن شاء الله) .
 
ــــ وفي الكتاب (41) من النهج كتب عليه السلام إلى أحد الولاة وقد ثبتت عليه تهمة الاختلاس: (فسبحان الله! أما تؤمنُ بالمَعاد؟ أو ما تخافُ نقاشَ الحساب؟ أيها المعدودُ كان عندنا من ذوي الألباب، كيف تُسيغُ شراباً وطعاماً وأنت تعلمُ أنك تأكلُ حراماً وتشربُ حراماً، وتبتاعُ الإماءَ وتنكَحُ النساءَ من مالِ اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال، وأحرزَ بهم هذه البلاد؟ فاتَّقِ الله، واردُد إلى هؤلاء القومِ أموالَهم، فإنَّك إنْ لم تفعلْ، ثم أمكنني اللهُ منك لأُعذِرَنَّ إلى الله فيك، ولأضربنَّك بسيفي الذي ما ضربتُ به أحداً إلا دخل النار. ووالله لو أنَّ الحسن والحسين فعلا مثلَ الذي فعلتَ، ما كانت لهما عندي هوادة، ولا ظفرا مني بإرادة، حتى آخذَ الحقَّ منهما، وأزيحَ الباطلَ من مَظلمتِهما) . 

ـــ هكذا كان أمير المؤمنين علي عليه السلام في منهج تعامله مع المعارضة السلمية بحسب النصين الأول والثاني، وفي منهج تعامله مع المتعدّين على حقوق الله، وحقوق الناس، وسراق المال العام..

فماذا لو كنا نحن مكان أمير المؤمنين عليه السلام أكنا سنتعامل مع الحالتين بنفس المنهجية؟ أم سيكون الأمر عندنا كلابس الفرو مقلوباً؟



2/ الدور المأمول من الفقهاء

ــــ من خلال النصوص التي استعرضتُها نجد ما يلي: 

ــــ في النصين الأول والثاني رسم الإمام عليه السلام معالم التعامل مع المعارضة، فما دام الأمر في نطاق المعارضة الكلامية، والمواقف السلمية، ولم تدخل في إطار القتال والإخلال بالأمن العام للمجتمع، والتعدي على ممتلكات الناس، فقد أبقى لهم حقوق المواطنة، ولم يُصدر أوامر بحرمانهم من عطاء بيت المال مثلاً. وهو بهذا قد اقتدى بسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تعامله مع مَن قال له: (اعدل يا محمد) ! 

ــــ نعم طلبهم، وحاججهم، رداً على اتهاماتهم، وأرسل إليهم الموفَد تلو الآخر أملاً في تغيير موقفهم. 

ــــ وبمقدار ما كان الإمام عليه السلام عفوّاً متسامحاً مع مَن سبَّه وتعرَّض له بالسوء ــــ وهو أمير المؤمنين وهو علي بن أبي طالب ــــــ نجده شديداً حازماً وعنيفاً في مواجهة المتعدّين على بيت مال المسلمين أي سراق المال العام ـ بالتعبير المعاصر ـ بما فيه من حقوق شرعية، وفيء، وخراج، وغير ذلك. 

ـــــ وأولى الناس بالاقتداء بسيرة علي عليه السلام والاهتداء بهداه والتحلي بأخلاقه هم مَن جُعلوا نواباً للأئمة في عصر الغيبة، وأعني بذلك الفقهاء ومَن يمثّلهم، والمؤسسة الحوزوية ككل. 

ـــــ ومن المؤسف أن نجد الأمر ـــــ أحياناً ـــــ على خلاف ذلك. 

ــــ لا أريد هنا أن أدافع أو أسيء إلى شخص بعينه، كما لا أريد أن أتعرض بالسوء للمؤسسة الحوزوية بمكوناتها، فهي عماد التشيع، وأية إساءة إليها إساءة إلينا.. وأي خلل يصيبها يصيبنا، ويعود علينا بالضرر.. وأي وهن تُبتلى به، هو وهْن لنا دون شك. 

ــــ ولكن هذا لا يمنع أن ننتقد نقداً بناءً وخالصاً لوجه الله، انطلاقاً من الحرص على هذه المؤسسة، وبالتالي الحرص على كيان التشيع ككل. 

ــــ فنحن نشهد أعداداً من مدّعي الوكالة عن بعض المرجعيات الدينية زوراً وكذباً، أو ممن يملكونها فعلاً إلا أن سيرتهم العملية والمتراكمة أثبتت دون شك أنهم غير مؤتمَنين على الحقوق الشرعية، وأنهم ينفقونها لمصالحهم ويحوّلونها إلى ثروات شخصية، تماماً كما وصف الله أمثالهم من الأحبار والرهبان حيث قال عز اسمه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ 
فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) التوبة:34. 

ــــ فأين هي الإجراءات الحازمة التي تُعرّي هؤلاء أمام المجتمع، وتَسلب منهم إمكانية خداع الناس وأكل المال الشرعي من دون وجه حق؟ 

ــــ هذه الأموال ليست ملكاً شخصياً للفقيه كي يتنازل عنها ويعفو عمن تلاعب بها، أو عمن أخذها من دون وجه حق.

ــــ في إحدى المرات أخبرت الجهة المسؤولة في مكتب إحدى المرجعيات الدينية وسألت صاحب العلاقة بالموضوع: فلان الفلاني كتب بشكل إعلاني وغير مسبوق في إحدى صحف الكويت أنه وكيل المرجع الفلاني .. فهل هو كذلك فعلاً؟ قال: لا.. قلت له: فلم لا تصدرون نفياً وتكذيباً في نفس الصحيفة أو من خلال بيان وبطريقتكم الخاصة، لتفضحوه وتمنعوه من خداع الناس، وأكل المال الشرعي دون وجه حق. قال: نحن لا نفعل ذلك، نعم إذا سُئلنا نجيب.. لا أكثر. 

ــــ بالله عليكم، كم من الناس سيسأل؟ ألن يُفسِّر الناس السكوت على أنه دلالة الرضا والإقرار؟ 

ـــــ وفي المقابل عندما يكون هناك نقدٌ لرأيٍ ما، أو نقد لشخصية حوزوية مبرّزة، سواء أكان الناقد مخطئاً في أسلوبه أو مصيباً، وسواء أصحَّت وجهة نظره أم لا.. فإننا نجد ردة الفعل الفورية والعلنية بسحب الوكالة منه، أو إصدار بيان بالطعن فيه، وأمثال ذلك.. 

ــــ الآن قارن هذين الإجراءين مع إجراءي أمير المؤمنين عليه السلام، أليست الصورة معكوسة تماماً؟

ــــ علي عليه السلام أقرَّ الخوارج على حقوقهم ــــ وما أدراك ما الخوارج ـــــ بما في ذلك حق الفيء، ولم يمنع عنهم العطاء المالي. 

ـــــ وحتى الذي وجه كلمات الإساءة لعلي عليه السلام ـــــ وهو علي وما أدراك ما علي ـــــ ونسبَه إلى الكفر، وفي الملأ العام، لم يَزِدْ الإمام على أن أعطى لنفسه الخيار، إما بأن يواجهه بالمثل، وإما أن يعفو عنه.. وقد عفا عنه، لأن علياً أرفع شأناً من يواجه الكلام القبيح بمثله. 

ــــ وأما مَن تعدّى على المال العام والحقوق الشرعية وحقوق الناس، فالويل له ـــ من علي ـــ ثم الويل! 

ــــ هذه هي سنة علي.. وهكذا يجب أن يكون مَن يتشيع لعلي، ويجد نفسه امتداداً لهذا النهج. 

ــــ وبدلاً من استعمال أسلوب سحب الوكالة مثلاً، أما كان الأولى أن يُدعى هذا المتحدث بطريقة فيها حكمة وموعظة حسنة ويُستفهم منه، ويوجَّه إن تبين أنه كان مخطئاً؟ 

ــــ قد يقال: ولماذا لا توجه كلامك إلى الجهة المعنية بشكل مباشر بدلاً من عرض هذا الأمر في خطابك العام؟ 

ــــ والجواب أني قد فعلت ذلك، وفي أكثر من مرة، كما قام غيري بذلك وأنا على علم واطلاع.. ولكن لا نتيجة على الأرض وللأسف الشديد. 

ــــ ثم إن القضية تحولت إلى قضية عامة من خلال وسائل التواصل، وما عادت خافية أو محفوفة ببضعة أشخاص، ولذا فهي بحاجة إلى مناقشة. 

إننا نتأمل من مؤسساتنا الحوزوية ـــ على تنوعها ـــ أن تحافظ على احتضانها الأبوي للجميع كما عهدناها من قبل، وتماماً كما كان يجد الإمامُ علي عليه السلام نفسَه أباً للجميع.. يعفو ويصفح ويحتوي الآخر ويَعظ المخطيء ويُعين المحتاج.. كما ويحاسب المعتدين على المال العام وعلى حق الله وحقوق الناس أياً كانت مسمياتُهم وأشخاصُهم، ودون هوادة، وذلك انطلاقاً من حس المسؤولية وروحه الأبوية التي تدافع عن حق الله وحق الناس.. كما ونتأمل من مؤسساتنا الحوزوية أن تميّز بين الحريص الغيور على دينه الذي إذا تحدث ناقداً لم ينطلق في ذلك من خصوصية شخصية أو تنفيساً لعقدة يعاني منها، وبين الذين يجعلون من الدين غرضاً لسِهامهم المسمومة ليُصيبوه في مقتل، انطلاقاً من عمالتهم لقوى الكفر، أو لسوء سرائرهم، أو لنفاقهم، أو من خلال تلبيتهم لأغراضهم الشخصية كما وصف ذلك القرآن الكريم حين ربط بين أكل أموال الناس بالباطل وبين الصد عن سبيل الله فقال عز اسمه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ). 



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: