فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





الشيخ علي حسن غلوم - 28/10/2016م - 12:26 ص | عدد القراء: 332


من خلال الحملة الاستشراقية الكبيرة التي شهدها العالم الإسلامي خلال القرنين الماضيين، بالإضافة إلى جهود المتأثرين بهؤلاء المستشرقين من أبناء العالم الإسلامي والعربي، فقد تعرض القرآن الكريم إلى حملات عنيفة ومتواصلة وبعناوين متفاوتة، تهدف في نهاية الأمر إلى إسقاط اعتباره كتاباً مُنزلاً من عند الله بالوحي على رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.


ـــ وما ذاك إلا لما يحتله كتاب الله تعالى من مكانة خاصة تتمثل في أنه المرجع والمصدر الأول والمعصوم لدى المسلمين.. وبإسقاطه من هذا الاعتبار، فإن إسقاط ما تبقى من حلقات الإيمان بدين الله الخاتم ستتلاحق بسهولة

ـــ ومن بين العناوين التي تناولوها: أسطورية بعض قِصص القرآن الكريم أو خيالية بعض تفاصيلها، مقدِّمةً للاستدلال على أن القرآن ككل ليس من عند الله تعالى


ـــ وقد حاول أن يَرُدَّ هذه الشبهة الكاتبُ المصري (محمد أحمد خلف الله) في كتابه (الفنّ القصصيّ في القرآن الكريم) بفكرة جديدة تقريباً

ـ الكتاب في الأصل رسالة قدمها عام1947، ونال بها شهادة الدكتوراه، منطلِقاً من مقولته: (الله لم يُرد تعليمنا التاريخ) فالقرآن ـــ بحسب هذا الكاتب ـــ كتاب أدبي أريد به الهداية، وليس كتاباً تاريخياً


ـ وحيث لا يحق لأحد أن يستشكل على الأديب حين يكتب رواية من وحي خيالاته وأن يسأله عن معقولية الأحداث ومصداقيتها وواقعيتها.. بينما من حق الناس أن يواجهوا المؤرخ بذلك، لذا فإن شبهات المستشرقين ساقطة من أساسها


ـ وقد أعاد إحياء مضمون الكتاب ـــ مؤخراً ـــ بعض دعاة لبرلة الإسلام، لا دفعاً لشبهات المستشرقين بل رغبةً في إسقاط جوانب من القرآن الكريم من الاعتبار.. فما هي أطروحة هذا الكتاب؟ وهل تمتلك مقوّمات الصحة والقبول؟ 


ـــ اعتبر (خلف الله) أن ما في القرآن الكريم من قِصص تنقسم إلى ثلاثة أصناف

ـــ القصة الحقيقية (التاريخية) ـــ الأمثلة (ونتفق معه على هذين الصنفين) ـــ الأساطير (القصص التي يعتقد الناس وقوعها بينما هي مجرد خيال ووهم بكاملها أو في تفاصيلها، وهي محل الكلام). 

ـــ برر الكاتب وجود القصص الأسطورية في القرآن كالتالي: (لأن القصص القرآني لم يقصد إلا إلى الموعظة والعبرة, وما شابهها من مقاصد وأغراض) فهو بالتالي غرض نبيل لا يُعاب

ـ ويمكننا أن نشبّه ذلك بغرض كتّاب الروايات والأفلام والمسلسلات الدينية، حين يعملون على كتابة سيناريوهات من وحي خيالهم، لإجادة حبكة الرواية، وإيصال الفكرة، وإجادة العمل

ـ وكذلك حين يقوم بعض قرّاء العزاء بإضافة التفاصيل في الأشعار، والنصوص التصويرية والحوارية التي يقدّمونها للناس لما جرى في أحداث كربلاء، دون مستند تاريخي، بل من وحي خيالاتهم، لإثارة المزيد من العاطفة، ولتضخيم صورة الفاجعة بما يخدم الغرض الرئيس للمجلس

ـ ومن بين ما استند إليه (خلف الله) في أطروحته: استعراض الآيات التسع التي استعملت كلمة (أساطير) من قبيل: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) [الفرقان:5]. 

ـ ولا أملك أن أستعرض كامل ما جاء في الكتاب، ولكن فلنناقش أهم دليل استدل به انطلاقاً من القرآن الكريم لنرى هل كان مصيباً في أطروحته؟ قال

1) الملاحظ أن جميع السور التي نزلت فيها هذه الآيات مكية، وسورة الأنفال وإن كانت مدنية إلا أن الآيات 30 إلى 36 مكية، أي أن أسطورية قصص القرآن كانت من إشكالات مشركي مكة، أما أهل المدينة فلم يمانعوا من وجودها في القرآن، لأنهم اعتادوا وجود ذلك في كتب اليهود

2) أن قولهم بأسطورية هذه القصص جاء لمعارضة مسألة القيامة والبعث فقط، واستشهد بقصة الذي مر على قرية، وإبراهيم والطيور الأربعة، واحتمل شمول قصة أهل الكهف لها

3) أنهم كانوا يعتقدون بشكل راسخ بوجود الأسطورة في القرآن، وما كان طرحهم هزيلاً ولا عناداً، حتى أنهم تحدوا بإنزال العذاب عليهم إن كانوا مخطئين

4) أن القرآن رد عليهم برفض فكرة كتابة النبي (ص) لآياته، ولم يردّ إشكال وجود الأساطير


ـــ وللإجابة على ما سبق نقول


1
ـــ ما هي القصص القرآنية التي نزلت في مكة ويحتمل أسطوريتها، واشتملت على موعظة ودلالة تخص يوم القيامة والبعث والنشور؟ 

ـــ أما قصة إبراهيم والطيور، وقصة الذي مر على قرية، ونضيف إليها قصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فماتوا ثم أحياهم الله، فكلها وردت في سورة البقرة، وهي مدنية

ـــ قصة أهل الكهف وردت في سورة مكية، ولكن قدّمها الله تعالى كالتالي: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا) [9] ثم قال: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ) [13] فهل هذا لسان مَن يريد بيان أسطورة أم حدث تاريخي حقيقي؟ أم أن الله يكذب علينا بهذا الوصف؟ 

ـــ ثم الحديث حول تفاصيل القصة من حيث العدد (قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ) [22] ومن حيث الزمن (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا، قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) [25-26

ــ وبالتالي ما هي القصص الأسطورية التي ذُكرت في السور المكية والمختصة بإثبات يوم القيامة بحيث انطلق من خلالها مشركو مكة في توجيه هذه التهمة؟ 

ـــ فليرجع مَن يشاء إلى السور المكية في عملية جرد بحثاً عن هذه القصص ليُطلعوننا عليها


2
ـــ بحسب ترتيب النزول فإن أول سورة استعملت كلمة (أساطير) هي سورة القلم، والتي تُعتبر ثاني سورة نزلت على النبي بعد سورة العلق، وليس فيهما أية قصة عن إحياء الموتى في الدنيا.


3
ـــ عندما قال تعالى (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) ألحقها مباشرة بقوله: (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) [6] . 

ـــ أي أن هذا القرآن بكل ما فيه ليس من صنع البشر، بل أنزله الله على نبيه.. هذا أولاً.. وأما ثانياً فإن التعبير بـ (يَعْلَمُ السِّرَّ) رد واضح على أنها أحداث واقعية يعلمها الله وإن خفيت بعض ظواهرها وبواطنها عن الناس... ولو كانت مجرد قصص خيالية لما صح أن يقول (يَعْلَمُ السِّرَّ). 


4
ـــ الأديب في الروايات والسيناريوهات الخيالية يتواضع مع القارئ على خيالية القصة منذ البداية، وأما القرآن الكريم فإن الأصل فيما يذكره أن يكون حقيقة وواقعاً: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) [البقرة:176] ولو أراد خلاف ذلك لكان لزاماً عليه أن يبيّن بالتصريح أو بالقرينة الواضحة، كاستعمال عبارة (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً) في قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً) [الزمر:29] .  

لقد أنزل الله تبارك وتعالى القرآن الكريم بالحق، في رسالته، وفي مضمونه، وفي تشريعاته، وفي ما أخبر به من قصص الأولين، وفيما سيكون في مستقبل الزمان، سواء في ما له علاقة بأصل الإيمان بالتوحيد أو النبوة أو المعاد، وإنَّ ردَّ شبهات المستشرقين المختلفة حول القصص القرآني، وادّعاء وجود أخطاء تاريخية وجغرافية فيها، لا يتم بتثبيت فكرةِ أسطوريةِ بعضِ قصصه هروباً من التفاصيل التي لم نعتَد على حدوثها، أو استبعاداً لوقوع معجزة إلهية، أو تدخّلٍ غيبي في حدَثٍ ما.

فالقاعدة هي كما قال سبحانه وتعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ)[البقرة:176] .



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: