فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





الشيخ علي حسن غلوم - 14/10/2016م - 11:03 م | عدد القراء: 276


معنى الإنتقام الإلهي

ـ (فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) إبراهيم:47


ـ جاء في القرآن الكريم أن الله (ذو انتقام) وأنه (انتقم) من بعض الأمم وأنه (منتقم) من المجرمين.


ـ فكيف نفهم نسبة الانتقام إلى الله وهي تتضمن التشفّي والثأر؟ الجواب عن ذلك في نقاط
1
ـ قال ابن منظور في لسان العرب: (النَّقِمةُ، والنَّقْمةُ: المكافأَة بالعقوبة... وفي أَسماء الله عز وجل المُنْتَقِم: هو البالغ في العقوبة لمنْ شاء) .
ـ وبالتالي فإن المعنى اللغوي في ذاته لا يتضمن بالضرورة معنى الثأر والتشفّي


2
ـ الانتقام المتضمن للتشفّي والتخفيف من الضغط النفسي بهذا الإجراء هو نوع من تبدل الحال، وهو متصوَّر في حق المخلوق كالإنسان، وأما الله تبارك وتعالى فلا يتبدل من حال إلى حال، لأن التبدل صفة نقص، والله سبحانه هو عين الكمال


ـ في الخطبة (186) من نهج البلاغة في توحيد الله: (لَا تَنَالُهُ الْأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ، وَلَا تَتَوَهَّمُهُ الْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْحَوَاسُّ فَتُحِسَّهُ، وَلَا تَلْمِسُهُ الْأَيْدِي فَتَمَسَّهُ، وَلَا يَتَغَيَّرُ بِحَالٍ) أي لا يطرأ عليه تغيير (وَلَا يَتَبَدَّلُ فِي الْأَحْوَالِ) أي لا ينتقل من حال إلى حال كالانتقال من الصغر إلى الكبر ومن الجهل إلى العلم (وَلَا تُبْلِيهِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ وَلَا يُغَيِّرُهُ الضِّيَاءُ وَالظَّلَامُ) .


3
ـ الانتقام المتضمن للتشفّي من المجرمين عند ارتكاب الجريمة ناتج عن لحوق ضرر بالمنتقم، إما بشكل مباشر، كأن يصيبه بجرح فيعاقبه، وإما بشكل غير مباشر، كأن يصيب ابنَه بجرح فيعاقبه.


ـ والله عزيز لا يضره شيء: (وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا)[آل عمران:144]. ولذا نجد كلمة (عزيز) قبل (ذو انتقام) للدلالة على ذلك.


ـ وقد أكد العلامة الطباطبائي في تفسيره ما سبق حيث قال: (الانتقام ـــ على ما قيل ـــ مجازاة المسيء على إساءته، و ليس من لازم المعنى أن يكون للتشفي، فإن ذلك من لوازم الانتقامات التي بيننا، حيث إن إساءة المسيء يوجب منقصة وضرراً في جانبنا، فنتدارك ذلك بالمجازاة الشديدة التي توجب تشفّي قلوبنا، و أما هو تعالى فأعز ساحة من أن ينتفع أو يتضرر بشيء من أعمال عباده لكنه وعد ـ و له الوعد الحق ـ أن سيقضي بين عباده بالحق، إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً) .

 

النبي يحيى والإمام الحسين عليهما السلام

ـ قال تعالى: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا) مريم:7


ـ كانت ولادة يحيى (ع) بشارةً كبيرة لأبيه النبي زكريا (ع)، لأنه كان يعيش قلق الأوضاع الرسالية التي يمر بها مجتمعه آنذاك، وهو ما عبّر عنه بقوله: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) مريم:5-6.


ـ فقد بذل الأنبياءُ جهوداً كبيرة من أجل إصلاح مجتمع بني إسرائيل، إلا أن هذا المجتمع المتمرد كان ينقلب على عقبيه، وينغمس في الماديات، وفي أنواع المعاصي، بما في ذلك الشرك بالله


ـ وكان لكهنة بني إسرائيل دوراً رئيساً في هذه الانحرافات، وإنما عَبّر عنهم زكريا (ع) بعنوان (الموالي)، لأن من معاني هذه الكلمة: (أقارب الرجل من جهة الأب). ومن المعلوم أن الكهانة كانت في ذرية هارون أخي موسى(ع)، وزكريا منهم


ـ لقد خاف زكريا (ع) على الرسالة من بعده، بأن يبرز بعض الكهنة المنحرفين، ويسيطروا على الشؤون الدينية للناس بشكل كامل، فيُفسدوا ما أصلحه ـــ هو ـــ والأنبياء على مدى سنوات طويلة


ـ ولذا سأل الله أن يهب له ولياً، ولداً ذكراً يكون تقياً طاهراً ترعاه العناية الإلهية كما هو شأن مريم بنت عمران: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ) [آل عمران:38]، وذلك لكي يقوم بالمسؤولية من بعده، فمهما ارتفع شأن السيدة مريم، فإنها لن تستطيع ولن يُسمح لها بأن تقوم بهذا الدور
ـ ووُلد يحيى، الإنسان الطاهر، النقي الروح، الطيب السيرة.. وأوتي النبوة، ونهض بمسؤولياته الصعبة في مواجهة التحديات المختلفة: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) مريم:12.
ـ في ذلك الوقت، كان الطاغية الحاكم على جزء من أرض فلسطين والأردن هو الملك (هيرود) الحليف الأمين للإمبراطورية الرومانية


ـ ومن بعده جاء ابنُه (هيرود أنتيباس) الذي حكم جزء من مملكة أبيه، وواجهه النبي يحيى بقوة لظلمه، كما واجه أحبار وكهنة اليهود الفاسدين، ودعا الجميع إلى التوبة، وإلى تذكر يوم القيامة، وبشّرهم بنبوة روح الله المسيح(ع) الذي يصغر عنه بسنوات قلائل


ـ لقد نهض عيسى (ع) للدعوة في الضفة الغربية لنهر الأردن، بينما نهض بها يحيى(ع) في الضفة الشرقية، حيث كان طابع ذلك المكان صحراوياً يتسم بالحياة الفطرية البعيدة عن المدنية


ـ عاش يحيى(ع) حياة بسيطة جداً في ملبسه ومأكله ومشربه ولم يتزوج، ليواجه بذلك المادية المستفحلة في مجتمعه، والتي اعتبرها أساس خطاياهم


ـ ومن طريف وغريب ما قرأت في (قصة الحضارة) لوِل ديورنت أن هؤلاء الأحبار كانوا يتشددون في تعاليم الطهارة الجسدية وأمثال ذلك، في الوقت الذي أباحوا فيه الربا إشباعاً لنهم الناس


ـ وتآمرت عليه الأطراف المختلفة.. فقد سجنه (هيرود أنتيباس) خوفاً منه وتحت تأثير تحريضات أحبار وكهنة اليهود الفاسدين، ثم قتله في نهاية المطاف بطلب من زوجته المعروفة بفسقها.. وقد قُطع رأسُه الشريف، فدُفن في دمشق على ما هو المشهور، بينما دُفن جسده في فلسطين


ـ وبعد ذلك بسنوات، جاء الانتقام الإلهي من ذلك المجتمع الظالم والفاسد.. المجتمع الذي كان ينبغي له أن ينصر هذا النبي الكريم، فإذا به بين خاذل ومتآمر على قتله


ـ وقد أكد هؤلاء الخاذلون المتآمرون طغيانَهم من خلال عدائهم للمسيح (ع) أيضاً، وهم الذين كانوا ينتظرون قدومه، ويُطلقون البشارات بظهوره، ليتحقق لهم وعلى يديه الخلاص، فإذا بهم يقومون بالتآمر عليه مع الرومان، ويحاولون قتله صلباً.. فأنجاه الله


ـ وهكذا لم يكد النصف الثاني من القرن الميلادي الأول يبدأ حتى انتشرت الفتنة في مجتمع اليهود


ـ وانقسموا إلى فئتين متقاتلتين، فئة الأغنياء المتحالفة مع الرومان، وفئة الفقراء.. ووقع القتل بين الطرفين، وقُتل من الأغنياء وحلفائهم في عام (68 م) اثني عشر ألفاً


ـ ثم وقعت الفتنة في مدينة أخرى بين اليهود وغيرهم، فقُتل في ذلك اليوم من اليهود عشرون ألفاً، وبيع الآلاف منهم بَيْع الرقيق.. كما وقُتل من اليهود عشرة آلاف في دمشق


ـ وبدأ اليهود بالانتقام في المدن المختلفة، وأعلنوا الثورة على الرومان والأغيار، وانتشر الموت بين الطرفين، حتى صارت الجثث تملأ المدن دون أن يدفنها أحد. وانتهت المواجهات بسيطرة اليهود على أكثر المناطق التي كانوا يستوطنون فيها


ـ وفي عام (70 م) حاصر القائد الروماني (تايتس) القدسَ لمدة خمسة أشهر، واضطروا لأكل الجثث التي صارت ملقاة في الأزقة، ولما ازدحمت بها ألقوها من فوق السور إلى خارج المدينة


ـ وسقطت القدس بيد الغزاة، فأحرقوا هيكل سليمان، وقتلوا أعداداً هائلة من اليهود، وأسروا منهم عشرات الآلاف، واضطر قرابة المليون منهم إلى الهجرة في المناطق المختلفة، وتحولوا إلى لقمة سائغة للمجتمعات التي كانت تُبغضهم وتُبغض سلوكياتهم المنفّرة، فقُتلوا من جديد زرافات ووحداناً


ـ هذه صورة من صور الانتقام الإلهي، وقد جاءت وفق السنن والقوانين الإلهية: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) آل عمران:137.


ـ فالطاغوت يزداد استكباراً حين يجد أن المجتمع يخذل أنبياءه والمصلحين المقدَّسين فيه، ولا يهبُّ لنجدتهم وخلاصهم، بل ويتآمر عليهم ويسلِمُهم إليه


ـ إن مثل هذا المجتمع لا يمكن أن يحترمه طاغية أو أن يركن إليه.. بل هو مجتمع لا يستحق إلا أن يُسحَق، ويُستضعَف، ويُستولى على ممتلكاته ومقدّراتِه، وأن يحوّل أفرادُه إلى عبيد عندَه


ـ (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) الأنعام:65.


ـ وهذا بالدقة ما جرى بعد عاشوراء.. في المستدرك على الصحيحين برقم 3074 عن ابن عباس قال: (أوحى الله إلى نبيكم (ص): أني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً، وإني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفاً، وسبعين ألفاً).

وأورد القرطبي هذا الخبر في تفسير الآية 7 من سورة الإسراء


ـ في بحار الأنوار عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: (خرجنا مع الحسين (ع) فما نزل منزلاً ولا ارتحل منه إلاّ وذكر يحيى بن زكريا (ع). وقال يوماً: مِن هوان الدنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريا أهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل) .


ـ لقد كانت الجريمة الكبرى التي ارتُكبت في يوم عاشوراء بحق الإمام الحسين (ع) وأنصاره وأهل بيته مُفتَتحاً لارتكاب المزيد من الجرائم. فقد وجد يزيد أن المجتمع الذي أسلمَ الحسينَ وخذلَه مجتمعٌ لا حرمة له، ومَن يسترخص دمَ الحسين ـ كيزيد ـ سيسترخص كلَّ دمٍ آخر! ولذا لم يتردد في محاصرة المدينة المنورة، وإباحتها لجيشه ثلاثة أيام، وإيقاع القتل في أهلها وهتك الأعراض ونهب الممتلكات بما يفوق الوصف، ويندي له الجبين، حتى أُلزِم الناس فيها بالبيعة ليزيد على أنهم عبيدٌ له! ثم توجه جيشه إلى مكة المكرمة التي حوصرت، واستبيحت حرمتُها، وقُذفت الكعبة المشرفة بالمنجنيق! وتوالت الأحداث الدامية بعد ذلك على مدى عقود من الزمن، وامتدت على يد أمثال الحجاج وخالد القسري، وراح فيها عشرات الآلاف من الناس قتلاً في الحروب والفتن والثورات المختلفة.

ولنأخذ العبرة والحذر من سنن الله ونَقِمَتِه، فمن يساهم أو يرضى بما يجري حولَنا في بلاد المسلمين من سفكٍ لدماء الأبرياء وانتهاك للحرمات وتدمير للمقدَّرات من أي طرف كان، فلن يكون بعيداً عن الانتقام الإلهي ليذوق بعضاً مما شارك فيه أو رضي به...



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: