فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





الشيخ علي حسن غلوم - 23/09/2016م - 11:54 ص | عدد القراء: 381


ـ (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) [النحل: 103]. 


ـ عندما اصطدم كبار رجالات قريش ـ من المعاندين والمحاربين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأبعاد القرآن الإيمانية والتاريخية والمعرفية المتنوعة، مدركين بأنها لا يمكن أن تكون من عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا سيما بلحاظ أنه ما كان يقرأ ولا يكتب ـ لجأوا إلى اتهامه بالتعلم على يد بعض أهل الكتاب ممن كانوا يعيشون في مكة المكرمة.


ـ هذه التهمة كانت تُلقَى على بسطائهم، ولا يُفصحون بها إلى المسلمين، ولذا جاءت لام القسَم في بداية الآية مع (قد) ثم أعقبتها كلمة (نعلم) كل ذلك للدلالة على تداول الأمر في محيطهم الخاص

ـ فما كان مشركو قريش ليجرأوا على الإفصاح عن ذلك أمام المسلمين، لأنها ستكون فضيحة كبرى بالنسبة إليهم، فالرد سيكون سريعاً وصاعقاً: كيف يُعقَل هذا وإنما أُنزلت التوراة والإنجيل بغير العربية، وفي القرآن من الفصاحة والبلاغة والبيان العربي الواضح ما يُعجزهم؟ 

ـ لاحظ كيف أن شبابنا عندما يدرسون في مدارس أجنبية أو يشاهدون بكثرة البرامج الأجنبية سرعان ما تلتوي ألسنتهم، وتختلط عندهم الكلمات.. هذا شيء طبيعي. بينما لم يجد المشركون مثل هذا في القرآن أو في كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ـ ولذا جاء القرآن الكريم بالرد المختصر والواضح: (لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ) أي حين ادّعوا أن تلك الكتب هي مصدر القرآن، فقد مالوا بقولهم هذا منحرفين مبتعدين عن الحق (وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) .


ـ وفي 13 موضعاً من القرآن الكريم ـ بحسب ما أحصيت ـ تأكيد على عربية القرآن وأنه نازل بنفس لغة النبي، وبلغة واضحة مبينة وبلا خلل فيها: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ)[الزمر:28] متحدياً بذلك العرب أن يأتوا بمثله

ـ وقد رد القرآن على إشكالات المشركين العرب المتنوعة، ولم يكن من بينها أي إشكال حول عربية لسانه وبيانه.. ولو كانت هناك أية ملاحظة بهذا الخصوص لبانت وذُكرت


ـ بل ولبديهة ذلك، صار القرآن معياراً للقواعد النحوية والبلاغية والبيانية وللمفردات العربية لتقييم مدى صحتها وتوافقها مع لسان العرب


ـ ثم يطالعنا اليوم بعض المستشرقين والمتأثرين بهم ـ وبكل بلاهة ـ بمقالات ومؤلفات يزعمون فيها أن أصل القرآن سرياني آرامي


ـ وتنتشر هذه المقولات في وسائل التواصل الاجتماعي من خلال دعاة الإلحاد واللادينية العرب في سعي منهم لهزّ قناعات شبابنا المسلم، مستغلين ضحالة معارف أولئك الشباب اللغوية والدينية.


ـ وسأعرض نموذجاً لما انتشر مؤخراً بهذا الصدد مع بعض التوضيحات والردود على ما ورد في ذلك المنشور

ـ جاء في بداية المنشور الذي أشرتُ إليه أنه


ـ (كشف علماء اللغات السامية الآرامية السريانية أن القرآن الذي كُتب في زمن محمد وعثمان ابن عفان بالخط النبطي والحجازي ثم الكوفي الغير منقط ومن غير حركات ولا همزة، أنه كان خليطاً بين السريانية الآرامية وبين العربية) .

ـ السُّريانية أو (لُشانا سُريايا) لغة أو لهجة مشتقة من اللغة الآرامية، وموطنها في نواحي من سوريا


ـ يدّعي صاحب المنشور أن 25% من كلمات القرآن مبهمة، أو أسيء فهم معناها لأنها أصلاً غير عربية (بل زعم أحد المستشرقين من قبل أنَّ حوالي80% من الكلمات القرآنية كانت سريانية) !

ـ وأضاف بأنه لما بدأ التنقيط والتشكيل، عُرّبت بعض تلك الكلمات وحرِّفت عن معانيها من قِبَل المسلمين العرب، إما جهلاً، أو اتباعاً للهوى


ـ من أمثلة ذلك عبارة (حور عين) حيث فسَّرها بالعنب، وأن أصل (زوجناهم) كان (روّحناهم)، أي جعلناهم يتروّحون في حدائق العنب! واستنتج بالتالي أنه لا وجود أصلاً للحور العين في الجنة

ـ ولا أدري صراحة كيف يمكنهم تفسير قوله تعالى: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ) إلى قوله تعالى: (حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ، فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ، فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) الرحمن:56-74.


ـ وبلغ الأمر إلى تخطئة اسم النبي، فكلمة (محمد) بادعائه من صفات الله، وليست اسماً للنبي! ولا أدري بعد هذا ما اسم النبي الذي اكتشفوه بعبقريتهم الفذة! وهكذا بالنسبة إلى مصطلح (القرآن) وغير ذلك. وأود هنا أن أسجل عدة ملاحظات في

الرد على ما سبق


ـ الملاحظة الأولى: هذه المحاولات ليست جديدة، بل إنه في العام 1857، عَرضت (أكاديمية باريس) جائزة لأحسن تأريخ نقدي للقرآن، وفاز بها الألماني (ثيودور نولدكه)، وتحوّل بحثه إلى كتابه الشهير (تاريخ القرآن) والذي يُعتبر من أهم أُسس رؤية الغرب ونظرتهم عن الإسلام والقرآن

وما جاء في المنشور عبارة عن حلقة في سلسلة طويلة من محاولات الطعن والتشكيك في المصداقية السماوية للقرآن الكريم من قبل المستشرقين والمتأثرين بهم


ـ الملاحظة الثانية: المنشور اعتمد على ما جاء في مقال صادر في يناير من عام 1999 في صحيفة (أتلانتيك) الأمريكية بعنوان (ما القرآن؟) وفيه عَرْض لآراء خبير المخطوطات المستشرق الألماني جيرد بوين ((Gerd Puin حول ما عُرف باسم المصحف الصنعاني.. والقصة كالتالي

في أوائل سبعينيات القرن العشرين اكتُشفت مجموعة من المخطوطات مخزَّنة في سقف الجامع الكبير بصنعاء، ومن بينها بعض المخطوطات القرآنية القديمة والتي تعود إحداها إلى أواخر القرن الهجري الأول

على إثر ذلك، قامت إدارة الآثار اليمنية بطلب المساعدة من ألمانيا لترميم المخطوطات وحفظها، فأرسلت الحكومة الألمانية الخبير (بوين)، والذي لم يكتف بالمهمة المناطة به، بل وصوّر تلك المخطوطات وقام بعمل بعض الدراسات عليها، وأعلن في ندوة له أنه اكتشف أموراً


1- خلو بعض الكلمات في ذلك المصحف من الألف، بينما هي تُلفظ ممدودة في العربية، مثل كلمة (ساحر ـ كانوا)، وأرجع ذلك إلى أصلها السرياني الخالي من الألف.


2- ترقيم الآيات مختلف في بعض الموارد عما هو مدوّن في المصحف المتداول عند الناس


3- ترتيب السور أحياناً غير متطابق مع المصحف المتداول عند الناس


ونقل الكاتب الأمريكي في مقالته تلك عن الخبير الألماني (بوين) قوله: (أن القرآن تطور عبر زمن طويل، لوجود علامات في المخطوطات تدل على إعادة كتابة بعض العبارات، وبالتالي فهو ليس كتاباً منزلاً من السماء في القرن السابع الميلادي، وأنه ليس بواضح ومبين) .


ولما واجه (بوين) حملة واسعة من الاعتراضات، اعتذر بأن المقالة لا تمثل رأيه

ـ الملاحظة الثالثة: ثم ظهر بعد سنة كتاب بعنوان (قراءة سيرو- آرامية للقرآن) باسم (كريستوف لوكسنبرغ) قيل أنه الاسم المستعار لبوين نفسه، يعود ليؤكد فيه ما جاء في المقال، مع إضافات

من بين هذه الإضافات إعادة كتابة وتفسير بعض السور بشكل مخالف تماماً لمضمونها ومرادها، انطلاقاً من ادعاءاته بأن أصل القرآني سرياني آرامي، وأن النبي تعلم من النصارى الذين كانوا يتحدثون ويؤلفون بالسريانية والآرامية، فألّف النبي القرآن متأثراً بذلك

مثال ذلك: سورة الكوثر.. فكلمة (الكوثر) أصلها (كوتارا) في السريانية، وتعني (الإصرار).. وكلمة (انحر) كُتبت خطأً بالحاء ويجب أن تكون (انجر)، وتعني (ثابِر) بالسريانية.. وكلمة (أبتر) كُتبت خطأ ويجب أن تكون (أتبر)، وتعني (المهزوم) في السريانية.. أي (إنا أعطيناك الإصرار، فصل لربك وثابر، إن شانئك هو المهزوم)... وعلى هذا فقس


ـ أما الرد على ما سبق، ففي نقاط


1- لابد أن نفرّق بين القرآن والمصحف، فالقرآن هو الوحي النازل على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال الله سبحانه في شأنه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9] أما المصحف فهو جهد بشري لتجميع وتدوين وترتيب سور القرآن، وقد اجتهد المسلمون في ذلك وظهرت عدة مصاحف اختلفت في ترتيبها وطريقة التدوين، ثم تم توحيدها في شكل المصحف العثماني

 

هذا الاختلاف كان شكلياً على الورق، أما القرآن فقد حفظه المسلمون عن ظهر غيب وتوارثوا ذلك عبر القرون وإلى يومنا هذا، ولدينا في مسجدنا هذا من تتصل سند قراءتهم للقرآن إلى النبي
ولو طُبع المصحف ـ مثلاً ـ أو نُسخ بشكل خاطيء أو منقوص عمداً أو سهواً، فلن يؤثر ذلك في نص القرآن، لأنه محفوظ لدى المسلمين


2
ـ لم يدّع أحد من المسلمين أن العرب كانوا فطاحل في الكتابة، وأكثرهم من الأميين، ومن المعلوم أنهم تأثروا بالكتابة السريانية والنبطية، وهذا ما انعكس على كتابة المصحف، فكلمة (الرحمن) خلت من الألف، وكلمة (الصلاة) كُتبت بالواو، وهكذا تأثراً بتلك الخطوط

هذا لا يعني أن القرآن نزل بالسريانية أو غيرها أو مأخوذ من نصوص سريانية.. بل كتابة المصحف هي التي تأثرت بطريقة كتابة الكلمات في تلك اللغات
ولتقريب الصورة نقول: اللغة التركية كانت تُكتب إلى عهد قريب بالخط العربي، ومع قدوم أتاتورك اعتُمد الخط اللاتيني فهل هذا يعني أن الأتراك كانوا يتحدثون العربية ثم أصبحوا يتحدثون اللاتينية؟ 


3
ـ وقد التفت الخليفة عثمان إلى هذا بعد أن عُرض عليه المصحف في ختام مشروعه في توحيد المصاحف حيث قال: (إنّ في المصحف لحناً ستُقيمه العرب بألسنتهم، فقيل له: أفلا تغيّره؟!
فقال: دعوه، فإنّه لا يحلّ حراماً ولا يحّرم حلالاً) .


4
ـ وجود محو لأسطر وإعادة كتابة لا تعني بالضرورة تغييراً في النص الأصلي للقرآن، فقد يُخطيء الناسخ في كتابته، فيمحو ويعيد الكتابة.. وقد ينمحي الحبر بمرور الزمان فتُعاد كتابة بعض الأسطر، وأمثال ذلك، ويبقى نَص القرآن محفوظاً في قلوب آلاف المسلمين دون تغيير منذ عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن يرث الأرض وما عليها


5
ـ من المضحك أن لا يكتشف العرب الجاهليون ومَن جاء بعدهم عدم عربية القرآن وأنه غير مفهوم وأنه ليس بمبين، مع تحدي القرآن لهم بذلك، ثم يكتشفها الأوربيون الذين لا تمثّل العربية بالنسبة إليهم اللغة الأم.


6
ـ من السهولة بمكان التلاعب بالكلمات، وأن هذه الكلمة سريانية، وتلك آرامية، وثالثة قبطية، لمجرد وجود تشابه ما، مع اختلاف المعاني، إلا أن الادعاء شيئ وإثبات ذلك شيء آخر


7
ـ اللغة العربية ككل اللغات تتأثر بمحيطها، فتعمل ـ كما هو مصطلح عليه في الألسنيات ـ على استعارة (Borrowing) كلمات من لغات أخرى، ثم تتحول تلك الكلمات بمرور الزمان إلى جزء من قاموسها اللغوي

مثال ذلك: سجّين، زنجبيل، استبرق، فرعون... وهذا شيئ، وادعاء أن النص الذي استعمل هذه الكلمات ليس نصاً عربياً شيء مختلف تماماً


ولذا لا يُلتَفت إلى محاولة كاتب المنشور في ختامه لإيهامنا بحسم الأمور لصالح الطعن في القرآن حيث قال: (بهذا أثبت أولئك العلماء أن القرآن الحديث المعرَّب لا يطابق القرآن القديم الأصلي الغير منقط، و يختلف كثيراً في معاني الكلمات والآيات)، فدونه ودونهم خرط القتاد


ـ إن القرآن الكريم هو كتاب الله المنزل بالوحي على رسوله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين وسيد المرسلين، وهو بلسانٍ عربي مبين، تحدّى فيه أقحاح العرب، في لغته، وبيانه، وفصاحته وحكمته، ومضامينه الرفيعة، وآياته الباهرة، أن يأتوا ولو ببعضٍ من مثله، فوهنوا وما استطاعوا ونَكسُوا رؤوسَهم صاغرين مقرّين بعجزهم، فخلف مِن بعدهم خلْفٌ من المسلمين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وغرّهم المستشرقون، فسوف يلقون غيّاً، والعاقبة للمتقين



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: