فيسبوكواتسابتويترابلاندرويدانستجراميوتيوب





الشيخ علي حسن غلوم - 05/08/2016م - 2:32 م | عدد القراء: 399


ـ تحدثت في أكثر من مناسبة عن موضوع مناهج التربية الإسلامية الخاصة بوزارة التربية في دولة الكويت.


ـ وكان حديثي ينصب على بعض المفردات المبثوثة في الكتب الدراسية والتي تتضمن مفاهيم تكفيرية وخطابات إقصائية واضحة.

ـ إلا أن حديثي هذا اليوم سيأخذ منحى أشمل من ذلك، حيث أن المسلمين بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 أصبحوا بشكل واضح أمام تحديين كبيرين، الأول يتمثل في تيار الإلحاد الجديد، والآخر يتمثل في التطرف الديني والمذهبي.


ـ والمناهج الدراسية الحالية لا تُسعفنا لمواجهة هذين التحديين ووقايةِ أبنائنا وشبابنا من الوقوع في حبائلهما، لأنها تعتمد على خطاب إسلامي تمت صياغتُه من حيث المضمون وطريقة معالجة القضايا ومن حيث الأسلوب أيضاً في ظروف مغايرة، ووفق رؤية ما عادت تجاري هذه التحديات الجديدة والخطيرة، فضلاً عن المشكلة الأساس المتعلقة بالموقف المتشنج والإقصائي والتكفيري للآخر المختلف مذهبياً.

ـ ثم لننتبه أن حاجتنا إلى هذا التغيير لا تعني أننا نريد إلباس الإسلام لباساً جديداً، أو أن نتلاعب في تشريعاته ومضامينه، بل يأتي ذلك انطلاقاً من أن هناك فرقاً بين الدين وبين فهم الدين.


ـ فالدين من عند الله، وهو وحي معصوم.. وأما فهم الدين فهو اجتهاد ونتاج بشري، قد يصيب وقد يخطيء.

ـ أي أن ما اجتهد فيه الماضون لتقديمه على مستوى فهم القرآن وتصحيح الحديث والفقه والعقيدة وغير ذلك يمثل جهداً بشرياً محكوماً بظرفه، وهو غير معصوم. واليوم مع التحديات الجديدة أصبحت هناك حاجة:


  1. لإعادة قراءة تلك النصوص وتلك الاجتهادات على وقع الإثارات والإشكالات الجديدة.. وحينها قد نصل إلى نفس النتيجة السابقة، وقد نصل إلى نتائج أخرى ترتفع معها الإشكالات المطروحة، وذلك من قبيل قضايا حقوق الإنسان في الدولة الإسلامية بالنظر إلى اختلاف الجنس، واختلاف الدين، وحرمة دم غير المسلم، وماله، وعرضه، ومصير الناس في الآخرة، وأحادية الفرقة الناجية، وغير ذلك.

  2. وهناك حاجة إلى معالجات وإجابات جديدة لتساؤلات وإشكالات ما عادت القديمة منها تُسعفنا ولا هي كافية للإقناع، كمسائل الرق والعبودية، وحكم المرتد، واللباس الشرعي للمرأة، وأمثال ذلك.

  3. ونحن بحاجة إلى أن نبني فهمنا للإسلام وخطابنا الإسلامي ومناهجنا الدينية على أساس أنسنة الدين.. وهذا لا يعني التخلي عن التشريع الإلهي، أو ادعاء كونه نتاجاً أرضياً.. فأنسنة الدين تعني أن الله قد أنزل هذا الدين للإنسان، ليُصلح شأن الإنسان، لا أن الله قد خلق الإنسان من أجل أن يخدم الدين. ووفق هذا ستتغير مجموعة من المفاهيم والتشريعات
  1. مناهجنا الدراسية لم تستطع أن تقدم مادة تربوية تجعل طبيعة العلاقة بين أبنائنا وبين الله عزوجل علاقة حب وإحساس بالارتباط الخاص بينهم وبين الله.. الله الرحمن الرحيم الغفور المنعم الرؤوف، بل تبني إنساناً خائفاً متوجساً من لحظة الانتقام الإلهي.. فرداً يرتكب في السر ما يخاف ارتكابه في العلن، لأنه لا يفهم معنىً لتقوى الله، بل تقوى الناس والمجتمع فقط.. والسبب في ذلك كم الآيات التي تتحدث عن النار والعذاب والانتقام في قصار السور والتي يتلقاها التلميذ في الصفوف الأولى، علاوة على المادة الجافة روحياً والتي تجعل من درس التربية الإسلامية درساً ممقوتاً، ومن الالتزامات الدينية التزامات ثقيلة على النفس، وتجعل النظرة إلى الدين الإسلامي ككل نظرة غير محببة.

  1. كما أن هناك حاجة إلى المصداقية في معالجة قضايا يجد فيها التلميذ ارتباكاً عند طرحها في المناهج الدراسية، وذلك من قبيل الموقف القرآني من الآخر المختلف.


ـ نحن بحاجة في مناهجنا إلى تقديم معالجة واضحة لآيات من قبيل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) [الحجرات:13] ومن قبيل: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة:8] ومن قبيل: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)[البقرة:62] .


ـ وأن تكون هذه المعالجة غير متعارضة مع مفردات تُطرح في ذات المنهج أو في سنوات دراسية سابقة.. ففي باب الأخلاق تُطرح هذه الآيات ويتم الحديث عن أخلاق التعامل مع غير المسلم، وفي باب العقائد تكفير وإباحة دماء وأموال وأمثال ذلك.


ـ وبكل صراحة ووضوح أقول: هل يمكن لمدرسة تقوم على أساس تكفير الآخر المختلف وإباحة دمه وماله وعِرضه في بُنيتها العقدية والفقهية أن تقدّم خطاباً مُقنعاً في إطار العلاقة مع الآخر المختلف دينياً ومذهبياً ولتكون مسؤولة بعد ذلك عن إعداد المناهج الدراسية لأبنائنا؟

مناهج التربية الإسلامية عندنا ككل بحاجة إلى إعادة كتابة وفق متطلبات التحديات الكبيرة التي بات أبناؤنا يواجهونها على صعيد الإلحاد والتطرف، وعلى ضوء قراءات واجتهادات متجددة ومواكِبة للإشكالات والأسئلة التي ما عادت المعالجات السابقة لها مُقنِعة ووافية.

وتأتي مسائل من قبيل أنسنة الدين، وإعادة صياغة طبيعة علاقة أبنائنا بخالقهم جل وعلا، لتكون في الأساس علاقة حب بدلاً من أن تكون علاقة خوف مجرد، والاهتمام بالبُعد الروحي في العلاقة مع الدين، لتمثّل الأطر التي يمكن من خلالها إعادة تشكيل هذه المناهج بالصورة المناسبة..

وبموازاة ذلك نؤكد على ضرورة أن يكون خريجو المعاهد والكليات الشرعية الذين سيقومون بتدريس هذه المناهج متناغمين معها في متبنياتهم وفي عطائهم، وهي المسألة التي تمثّل تحدِّياً آخر لوزارة التربية والتعليم العالي..

وقد مرت علينا قبل أيام ذكرى الثاني من أغسطس والغزو الصدامي لدولة الكويت، ونأمل أن يكون إحياؤنا لهذه المناسبة سبيلاً لمزيد من اليقين بأن الوطن بلا وحدة وطنية سيكون مهدداً في كل لحظة بالانهيار، وهل يمكن بناءُ وحدةٍ وطنيةٍ في ظل مناهج دراسية دينية ـ وللدين من القداسة في النفوس ما لا يُنكر ـ فتشحن صدور الأبناء بالكراهية والتكفير؟ 



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:

عدد الأحرف المتبقية: